بيان مشروعية الزيارة النبويّة وما يتعلق بها مِنَ الآثار والمشاهد والمناسَبات ج1-2

وهذا المعنى يدركه الإنسان العربي البسيط الذي يعرف أن كلمة [ حقيقية ] تعني حقيقة وهي ما يقابل الوهم والخيال والمثال ، فحقيقية أي ليست بوهمية وهذا هو المقصود بعينه ، وهذا هو مفهومنا وتصورنا لهذه القضية ، ولقد تضافرت الأحاديث والآثار التي تثبت بأن الميت يسمع ويحس ويعرف سواء كان مؤمنا أم كافرا .

فمنها حديث القليب وهو ثابت في الصحيحين من وجوه متعددة عن أبي طلحة وعمر وابنه عبد الله : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش فألقوا في طوى من اطواء بدر فناداهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسماهم ((يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة يا فلان ابن فلان ! أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا)) .. فقال عمر : يارسول الله ! ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها ، فقال عليه الصلاة والسلام : ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يجيبون)) ..

هكذا رواه الشيخان من حديث ابن عمر والبخاري من حديث أنس عن أبي طلحة ومسلم من حديث أنس عن عمر ، ورواه الطبراني من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح ومن حديث عبد الله بن سيدان نحوه وفيه :  قالوا : يارسول الله ! وهل يسمعون ؟ قال : ((يسمعون كما تسمعون ولكن لا يجيبون)) ..

ومنها ما رواه البزار وصححه ابن حبان من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن السدي عن أبيه عن أبي هريرة : عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ((إن الميت ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين)) ..

وأخرج ابن حبان أيضا من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه في حديث طويل .  وقال البخاري في صحيحه : ((باب الميت يسمع خفق النعال)) ، ثم روى عن أنس

عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى أنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه)) ..

 

وذكر الحديث في سؤال القبر ، ورواه مسلم أيضاً وسماع الميت خفق النعال وارد في عدة أحاديث ، منها الأحاديث الواردة في سؤال القبور وهي كثيرة منتشرة ، وفيها التصريح بسؤال الملكين له وجوابه بما يطابق حاله من سعادة أو شقاء ، ومنها ما شرعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمته من السلام على أهل القبور ومخاطبتهم بلفظ : السلام عليكم دار قوم مؤمنين .

قال ابن القيم : وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد ، والسلف مجمعون على هذا ، وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف زيارة الحي له ويستبشر به ، ثم ذكر جملة منها في ((كتاب الروح)) .. فليراجع .

قلـت : وقد روى عبد الرزاق في هذا الباب حديثاً عن زيد بن أسلـم قال : مر أبو هريرة وصاحب له على قبر ، فقـال أبو هريرة : سَلِّم ، فقـال الرجـل :  أسلِّمُ على القبر ؟ فقال أبو هريرة : إن كان رآك في الدنيا يوماً قط إنه ليعرفك الآن.  رواه عبد الرزاق في المصنف (ج3 ص577) .

وهذا الذي نقلناه هو عقيدة السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين وهم أهل السنة والجماعة فلا أدري كيف يغفل هؤلاء الذين يدعون أنهم على مذهب السلف عن هذه الحقيقة .

وقد أفاض الشيخ ابن القيم في كتاب الروح بما يشفي ويكفي وننقل هنا فتوى عظيمة لشيخ الإسلام الإمام ابن تيمية في هذا الموضوع كما جاء في الفتاوى الكبرى.

سئل الشيخ عن الأحياء إذا زاروا الأموات هل يعلمون بزيارتهم ؟ وهل يعلمون بالميت إذا مات من قرابتهم أو غيره ؟

فأجاب : الحمد لله ، نعم جاءت الآثار بتلاقيهم وتساؤلهم وعرض أعمال الأحياء على الأموات ، كما روى ابن المبارك عن أبي أيوب الأنصاري قال :  [إذا قبضت نفس المؤمن تلقاها الرحمة من عباد الله كما يتلقون البشير في الدنيا فيقبلون عليه ويسألونه فيقول بعضهم لبعض : أنظروا أخاكم يستريح فإنه كان في كرب شديد ، قال : فيقبلون عليه ويسألونه ما فعل فلان وما فعلت فلانة هل تزوجت] الحديث .

 

وأما علم الميت بالحي إذا زاره وسلم عليه ففي حديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :  ((ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام)) ..

قال ابن المبارك : ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم

وصححه عبد الحق صاحب الأحكام . اهـ . (مجموع فتاوى الشيخ ابن تيمية ج24 ص331) .  وجـاء في موضع آخر أيضاً سئل الشيـخ ابـن تيمية : هل الميت يسمع كلام زائره ويرى شخصه ؟ وهل تعاد روحه إلى جسده في ذلك الوقت أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت وغيره ؟ وهل تجمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه الذين ماتوا قبله ؟

 

فأجاب : الحمد لله رب العالمين ، نعم ! يسمع الميت في الجملة كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم

أنه قال : ((يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه)) ..

 

ثم ساق أحاديث متعددة في هذا المعنى ، ثم قال : فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي ولا يجب أن يكون السمع له دائماً بل قد يسمع في حال دون حال ، كما قد يعرض للحي فإنه قد يسمع أحياناً خطاب من يخاطبه ، وقد لا يسمع لعارض يعرض له ، وهذا السمع سمع إدراك ليس يترتب عليه جزاء ولا هو السمع المنفي بقوله : ( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ) ، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال ، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه وكالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفقه المعنى ، فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى فإنه لا يمكنه إجابة الداعي ولا امتثال ما أمر به ونهى عنه فلا ينتفع بالأمر والنهي ، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي وإن سمع الخطاب وفهم المعنى ، كما قال تعالى : ( وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ ) ، وأما رؤية الميت فقد روي في ذلك آثار عن عائشة وغيرها .

وأما قول القائل : هل تعاد روحه إلى بدنه ذلك الوقت أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت وغيره ؟ . فإن روحه تعاد إلى البدن في ذلك الوقت كما جاء في الحديث وتعاد أيضاً في غير ذلك .

ومع ذلك فتتصل بالبدن متى شاء الله وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك وظهور الشعاع في الأرض وانتباه النائم .

وهذا جاء في عدة آثار أن الأرواح تكون في أفنية القبور ، قال مجاهد : الأرواح تكون في أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارقه ، فهذا يكون أحياناً وقال مالك بن أنس : بلغني أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت والله أعلم . اهـ . مجموع فتاوى الشيخ ابن تيمية (ج24 ص362) .

وقال الشيخ ابن تيمية في موضع آخر : أما ما أخبر الله من حياة الشهيد ورزقه وما جاء في الحديث الصحيح من دخول أرواحهم الجنة فذهبت طوائف إلى أن ذلك مختص بهم دون الصديقين وغيرهم ، والصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة أن الحياة والرزق ودخول الأرواح الجنة ليس مختصاً بالشهيد ، كما دلت على ذلك النصوص الثابتة ويختص الشهيد بالذكر لكون الظان يظن أنه يموت فينكل عن الجهاد فأخبر بذلك ليزول المانع من الإقدام على الجهاد والشهادة مكا نهى عن قتل الأولاد خشية الإملاق لأنه هو الواقع وإن كان قتلهم لا يجوز مع عدم خشية الإملاق اهـ. (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج24 ص332).

لا تؤذ الميت لئلا يؤذيك :

رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

رجلاً قد اتكأ على قبر فقال له :  ((لا تؤذ صاحب القبر)) ..  ذكره المجد ابن تيمية في المنتقى (ج2 ص104) وعزاه لأحمد في المسند وكذا الحافظ ابن حجر في الفتح (ج3 ص178) وقال : إسناده صحيح .

 

وأخرجه الطحاوي في معاني الآثار (ج1 ص296) من حديث ابن عمرو ابن حزم بلفظ : رآني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

على قبر ، فقال :  ((انزل عن القبر لا تؤذ صاحب القبر ولا يؤذيك)) .. اهـ .

 

(مجمع الزوائد ج3 ص61) .

معنى الحياة البرزخـية :وينبغي أن نبين للناس معنى تلك الحياة وأنها حياة برزخية وأنها ليست كحياتنا هذه بل هي حياة خاصة لائقة بهم وبالعالم الذي هم فيه لكن لابد أن نبين لهم أيضاً أنها ليست كحياتنا لأن حياتنا أقل وأحقر وأضيق وأضعف .

فالإنسان فيها بين عبادة وعادة وطاعة ومعصية وواجبات مختلفة لنفسه وأهله ولربه وأنه تارة يكون طاهراً وتارة يكون على ضد ذلك ، وتارة يكون في المسجد وتارة يكـون في الحمـام وأنه لا يدري بم يختم له ؟؟ فقد يكون بينه وبين الجنة ذراع ثم ينقلب الأمر رأساً على عقب فيصير من أهل النار وبالعكس ، أما في البرزخ فإنه إن كان من أهل الإيمان فإنه قد جاوز قنطرة الامتحان التي لا يثبت عندها إلا أهل السعادة ، ثم إنه قد انقطع عنه التكليف وأصبح روحاً مشرقة طاهرة مفكرة سياحة سباحة جوالة في ملكوت الله وملكه سبحانه وتعالى ، لا هم ولا حزن ولا بأس ولا قلق لأنه لا دنيا ولا عقار ولا ذهب ولا فضة فلا حسد ولا بغي ولا حقد .

وإن كان غير ذلك ففي عكس ذلك .

 

خصائص الأنبياء البرزخية

وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام في البرزخ خصائص انفردوا بها دون غيرهم من البشر ولو شاركهم غيرهم في بعضها فهو على وجه الإلحاق النسبي وتبقى الخصوصية للأنبياء من جهتين :

الأولى : من جهة الأصالة .

الثانية : من جهة الكمال .

وهذه بعض تلك الخصائص :

كمال حياتهم :

ذكرنا فيما تقدم أن الحياة البرزخية حياة حقيقية وأن الميت يسمع ويحس ويعرف سواء أكان مؤمناً أم كافراً ، وأن الحياة والرزق ودخول الأرواح الجنة ليس مختصاً بالشهيد كما دلت على ذلك النصوص الثابتة ، وهذا هو الصحيح الذي عليه الأئمة وجماهير أهل السنة ، ومن هنا فإن القول بحياة الأنبياء من فضول القول وهو أمر ظاهر كالشمس لا يحتاج إلى إثبات بل إن الصواب هو أن نقرر بأن حياتهم أكمل وأجل وأتم وأعظم ، وهكذا حياة الناس على ظهر الأرض في الدنيا فإنها درجات ومقامات ومراتب متفاوتة فمنهم أموات في صورة أحياء ، قال فيهم المولى جل شأنه : ( لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) .

ومنهم الذيـن قـال فيهم : } أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ { .

ومنهم من قال فيهم : } قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ { إلى قوله:} أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ{، ومنهم من قال فيهم:}إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ{16}كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ {17} وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ { (سورة الذاريات : 16-18) .

وهكذا الحياة البرزخية درجات ومراتب ومقامات متفاوتة } وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً { .

أما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن حياتهم ورزقهم ومعرفتهم وسماعهم وإدراكهم وشعورهم وإحساسهم أكمل وأتم وأرفع من غيرهم ، والدليل هو قوله تعالى في حق الشهداء :

} وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ {.

وإذا كانت الحياة معناها هو بقاء الروح فلا تفنى ولا تبلى فلا مزية للشهيد يستحق أن تذكر وتشهر إذ أرواح جميع بني آدم باقية لا تفنى ولا تبلى وهو الصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم كما حققه الشيخ ابن القيم في كتاب الروح ، فلابد من وجود مزية ظاهرة يزيد بها الشهداء على من سواهم وإلا كان ذكر حياتهم عبثاً لا فائدة منه خصوصاً وأن الله تعالى نهى أن نقول عنهم أموات فقال : } وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ {.

وحينئذ نقول إنه لابد من أن تكون حياتهم أكمل من غيرهم وأشرف ، وهذا ما يؤيده ظاهر النصوص فأرواحهم مرزوقة ترد أنهار الجنة وتأكل ثمارها كما قال تعالى : } عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ { ، ثم إحساسهم بذلك الطعام والشراب والنعيم إحساس كامل بشعور تام وتلذذ تام وتمتع حقيقي كما جاء في الحديث : فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا . (قال ابن كثير رواه أحمد) .

وأرواحهم لها تصرف أكبر من غيرها وأوسع فهي تتجول وتسرح في الجنة حيث تشاء ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش . (كذا في الصحيح) .

وهم يسمعون الكلام ويفهمون الخطاب ، فقد جاء في الصحيح : أن الله تعالى يقول لهم : ما تشتهون ؟ فيقولون : كذا وكذا ، ويعود السؤال ويعود الجواب، ثم يطلبـون أن يعودوا إلى الدنيا للجهاد ، ثم يطلبون أن يبلغ الله عنهم رسالـة منهم

 

إلى إخوانهم بالدنيا فيها بيان ما أكرمهم الله به ، فيقول الله : أنا أبلغ عنكم .

فإذا ثبت هذا في حق الشهداء ثبت في حق الأنبياء من وجهين :

الأول : أن هذه رتبة شريفة أعطيت للشهيد كرامة له ولا رتبة أعلى من رتبة الأنبياء ، ولا شك أن حال الأنبياء أعلى وأكمل من حال جميع الشهداء فيستحيل أن يحصل كمال للشهداء ولا يحصل للأنبياء لا سيما هذا الكمال الذي يوجب زيادة القربى والزلفى والنعيم والأنس بالعلي الأعلى .

الثاني : أن هذه الرتبة حصلت للشهداء أجراً على جهادهم وبذلهم أنفسهم لله تعالى ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي سن لنا ذلك ودعانا إليه وهدانا له بإذن الله تعالى وتوفيقه ، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم :

((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة)) .

وقال صلى الله عليه وسلم :

((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من يتبعه لا ينقصه ذلك من أجورهم شيئاً ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه لا ينقصه ذلك من آثامهم شيئاً)) ..

والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة فكل أجر حصل للشهيد حصل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لسعيه مثله والحياة أجر فيحصل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مثلها .

إن حياة الأنبياء البرزخية الحقيقية وخصوصاً نبينا صلى الله عليه وآله وسلم هي أرفع وأكمل من أن يتصور جاهل أو أحمق أننا نعني بها أن يعيشوا كما نعيش فيأكلون ويشربون محتاجين إلى الأكل والشرب ويبولون ويتغوطون مضطرين إلى ذلك ويخرجون من قبورهم لحضور مجالس الذكر ومجامع القرآن ولمشاركة الأمة في أفراحها وأحزانها وأعيادها ومواسمها ثم يرجعون إلى قبورهم تحت الأرض في تلك الحفرة الضيقة وفوقهم التراب ، ليس في هذا أدنى كرامة أو منقبة بل هو عين الإهانة التي لا يرضاها الإنسان لتابع أو خادم له فضلاً عن أن يمن الله تعالى بذلك على خير خلقه وأجل عبيده حاشا وكلا وألف حاشا وكلا .

إن الحياة البرزخية الحقيقية هي الشعور التام والإدراك الكامل والمعرفة الصادقة ، إنها حياة طيبة صالحة دعاء وتسبيح وتهليل وتحميد وصلاة .

صلاة الأنبياء في قبورهم وعبادات أخرى

ومن ثمرات تلك الحياة البرزخية صلاتهم في قبورهم صلاة حقيقية ليست خيالية ولا مثالية ، وقد جاءت أحاديث في هذا الموضوع ، فمنها : عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

((الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)) ..

رواه أبو يعلى والبزار ورجال أبي يعلى ثقات ، كذا في مجمع الزوائد (ج8 ص211) ، قال الإمام الحافظ البيهقي في الجزء الخاص بهذه المسألة .

وفي رواية عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :

((إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ، ولكنهم يصلون بين يدي الله تعالى حتى ينفخ في الصور)) ..

قال البيهقي : إن صح بهذا اللفظ فالمراد به – والله أعلم – لا يتركون لا يصلون إلا هذا المقدار ، ثم يكونون مصلين بين يدي الله تعالى ، قال البيهقي : ولحياة الأنبياء بعد موتهم شواهد من الأحاديث الصحيحة .

ثم ذكر البيهقي بأسانيده حديث :

((مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره)) ..

وحديث :

((قد رأيتني في جماعة من الأنبياء ، فإذا موسى قائم يصلي وإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثقفي ، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم – يعني نفسه – فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال قائل لي : يا محمد ! هذا مالك صاحب النار فسلم عليه ، فالتفت إليه فبدأني بالسلام)) .

قلت : أخرجه مسلم عن أنس (ج2 ص268) ، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (ج3 ص577) .

وقوله : ضرب ، أي خفيف اللحم الممشوق المستدق .

وقال البيهقي في دلائل النبوة : وفي الحديث الصحيح عن سليمان التيمي وثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :

((أتيت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره)) ..

قلت : وهو صحيح أخرجه مسلم (ج2 ص268) .

وقد ثبت بما لا يقبل الشك أن السبب في تخفيف الصلاة علينا من خمسين إلى خمس صلوات هو موسى عليه السلام وهو ميت قد أدى رسالة ربه وانتقل إلى جواره في الرفيق الأعلى ولكنه هو السبب في إيصال أعظم خير إلى الأمة المحمدية حينما طلب من نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم مراجعة ربه وقال له : سل ربك التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فهل هذه المراجعة حقيقية أو خيالية وهل في اليقظة أو في المنام وهل هي صحيحة أم مكذوبة وهل موسى مات أم لا يزال حياً حتى وقت تلك المراجعة ؟

أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما :

((أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر على ثنية فقال : ما هذه ؟ قالوا : ثنية كذا وكذا ، قال : كأني أنظر إلى يونس على ناقة خطامها ليف وعليه جبة من صوف وهو يقول : لبيك اللهم لبيك)) .. اهـ . الدر المنثور (ج4 ص334) .

وفي حديث آخر :

((أراني ليلة عند الكعبة فرأيت رجلاً آدم كأحسن ما أنت راء من الرجال من آدم الرجال ، له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم قد رجلها فهي تقطر ماء متكئاً على رجلين أو على عواتق رجلين يطوف بالبيت فسألت من هذا ؟ فقيل : هذا المسيح ابن مريم)) ..

وفي حديث آخر :

((إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر بوادي الأزرق ، فقال : كأني أنظر إلى موسى هابطاً من الثنية ، وله جؤار إلى الله بالتلبية ثم أتى على ثنية هرشي فقال : كأني أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة وهو يلبي)) ..

وفي حديث آخر :

((كأني أنظر إلى موسى واضعاً اصبعيه في أذنيه)) ..

وهذه الأحاديث كلها في الصحيح وقد تقدم في موسى وعيسى ، وكذلك صلاتهم قياماً وإمامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهم ، ولا يقال : إن ذلك رؤيا منام ، وإن قوله أراني فيه إشارة إلى النوم لأن الإسراء وما اتفق فيه كان يقظة على الصحيح الذي عليه جمهور السلف والخلف ، ولو قيل بأنه نوم فرؤيا الأنبياء حق ، وقوله : أراني لا دلالة فيه على المنام بدليل قوله : رأيتني في الحجر ، وكان ذلك في اليقظة كما يدل عليه بقية الكلام .

بقـاء أجـسـادهم :

جاء في الحديث عن أوس بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

((أفضل أيامكم الجمعة فيه خلق آدم ، وفيه قبض ، وفيه النفخة ، وفيه الصعقة فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة عليَّ ، قالوا : وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت – يقولون بليت – فقال : إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) ..

هذا الحديث أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد في مسنده وابن عاصم في الصلاة له وأبو داود والنسائي وابن ماجه في سننهم والطبراني في معجمه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم في صحاحهم والبيهقي في حياة الأنبياء وشعب الإيمان وغيرهما من تصانيفه .

واعلم بأن حديث: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء . ورد من طرق كثيرة جمعها الحافظ المنذري في جزء مخصوص وقال في الترغيب والترهيب رواه ابن ماجه بإسناد جيد ورواه أحمد وأبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه ، وقال ابن القيم في كتاب الروح نقلاً عن أبي عبد الله القرطبي : صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم اجتمع مع الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس ، وفي السماء خصوصاً موسى وقد أخبر :

((ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام)) ..

إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أنهم غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء ، وذلك كالحال في الملائكة فإنهم أحياء موجودون ولا نراهم ، وقد نقل كلام القرطبي وأقره أيضاً الشيخ محمد السفاريني الحنبلي في شرح عقيدة أهل السنة ونصه : قال أبو عبد الله القرطبي : قال شيخنا أحمد بن عمر القرطبي صاحب المفهم في شرح مسلم : والذي يزيح هذا الإشكال أن الموت ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال ويدل على ذلك أن الشهداء بعد موتهم وقتلهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين .

وهذه صفة الأحياء في الدنيا ، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى . وذكر القرطبي أن أجساد الشهداء لا تبلى ، وقد صح عن جابر أن أباه وعمرو بن الجموح رضي الله تعالى عنهم وهما ممن استشهد بأحد ودفنا في قبر واحد حفر السيل قبرهما فوجدا لم يتغيرا ، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك ، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين ذلك وبين أحد ست وأربعون سنة ، ولما أجرى معاوية العين التي استنبطها بالمدينة وذلك بعد أحد بنحو من خمسين سنة ، ونقل الموتى أصابت المسحاة قدم حمزة رضي الله عنه فسال منه الدم ووجد عبد الله بن حرام كأنما دفن بالأمس ، وروى كافة أهل المدينة أن جدار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما انهدم أيام الوليد بدت لهم قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان قد قتل شهيداً .

وقد ذكر الشيخ ابن تيمية أنه لما حصل الهدم بدت لهم قدم بساق وركبة ففزع من ذلك عمر بن عبد العزيز فأتاه عروة ، فقال : هذه ساق عمر وركبته فسرى عن عمر بن عبد العزيز . اهـ (اقتضاء الصراط المستقيم 365) .

وقد ألف في هذا الموضوع الإمام الحجة أبو بكر بن الحسين البيهقي رسالة خاصة جمع فيها جملة من الأحاديث التي تدل على حياة الأنبياء وبقاء أجسادهم ، وكذلك ألف الحافظ جلال الدين السيوطي رسالة خاصة بذلك .

من كتابات سيدى محمد بن علوى المالكى الحسنى رضوان الله عليه وعلى أبائه

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *