بيان مشروعية الزيارة النبويّة وما يتعلق بها مِنَ الآثار والمشاهد والمناسَبات ج2-2

 

قلت : ورواه إسماعيل القاضي وغيره من طرق مختلفة بأسانيد صحيحة لا ريب فيها إلى سفيان الثوري عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله ابن مسعود وصرَّح الثوري بالسماع فقال : حدثني عبد الله بن السائب . هكذا في كتاب القاضي إسماعيل وعبد الله بن السائب وزاذان روى لهما مسلم . ووثقهما ابن معين فالإسناد إذن صحيح .

ومنها : عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :

((حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ، ووفاتي خير لكم تعرض أعمالكم عليَّ فما رأيت من خير حمدت الله ، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم)) ..

قال الحافظ العراقي في كتاب الجنائز من طرح التثريب في شرح التقريب : إسناده جيد(20) .

وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (ج9 ص24) : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ، وصححه الحافظ السيوطي في المعجزات والخصائص ، وكذا القسطلاني شارح البخاري ، ونص المناوي في فيض القدير (ج3 ص401) :

بأنه صحيح ، وكذا الزرقاني في شرح المواهب للقسطلاني ، وكذا الشهاب الخفاجى في شرح الشفا (ج1 ص102) .

وكذا الملا علي قاري في شرح الشفا (ج1 ص102) وقال : رواه أيضاً الحارث بن أسامة في مسنده بسند صحيح .

وذكره ابن حجر في المطالب العالية (ج4 ص22) ، وجاء هذا الحديث من طريق آخر مرسلاً عن بكر بن عبد الله المزني ، ورواه الحافظ إسماعيل القاضي في جزء الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال فيه الشيخ الألباني : مرسل صحيح .

وصححه الحافظ ابن عبد الهادي مع تعنته وتشدده في كتابه الصارم المنكي .

فالحديث صحيح لا مطعن فيه وهو يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أعمالنا بعرضها عليه ويستغفر الله لنا على ما فعلنا من سيء وقبيح ، وإذا كان كذلك فإنه يجوز لنا أن نتوسل به إلى الله ونستشفع به لديه لأنه يعلم بذلك فيشفع فينا ويدعو لنا وهو الشفيع المشفع صلى الله عليه وآله وسلم ، وزاده تشريفاً وتكريماً ، وقد أخبر الله في القرآن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شهيد على أمته وذلك يقتضي أن تعرض أعمالهم عليه ليشهد على ما رأى وعلم ، قال ابن المبارك : أخبرنا رجل من الأنصار عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : ليس من يوم إلا يعرض فيه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمته غدوة وعشياً فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم ، يقول الله تعالى : } فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً { .

ومنها : عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

((إن الله وكل بقبري ملكاً أعطاه الله أسماء الخلائق ، فلا يصلي عليَّ أحد إلى يوم القيامة إلا أبلغني باسمه واسم أبيه هذا فلان ابن فلان قد صلى عليك)).

رواه البزار وأبو الشيخ ابن حبان ولفظه : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

((إن الله تبارك وتعالى وكل ملكاً أعطاه أسماء الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت، فليس أحد يصلي عليَّ صلاة إلا قال: يا محمد! صلى عليك فلان ابن فلان قال : فيصلي الرب تبارك وتعالى على ذلك الرجل بكل واحدة عشراً)) ..

(رواه الطبراني في الكبير بنحوه) اهـ . من الترغيب (ج2 ص500) .

ومنها عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسيّ عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

((أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة وإن أحداً لن يصلي عليَّ إلا عرضت عليَّ صلاته حتى يفرغ منها)) .. قال : قلت : وبعد الموت ؟ قال : ((وبعد الموت ، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فنبي الله حي يرزق)) ..

رواه ابن ماجه في السنن ، وفي الزوائد هذا الحديث صحيح إلا أنه منقطع في موضعين ، لأن عبادة روايته عن أبي الدرداء مرسلة ، قاله العلاء . وزيد بن أيمن عن عبادة مرسلة قاله البخاري . انتهى من سنن ابن ماجه (ص524) .

ومنها عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما من أحد يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أردّ عليه السلام)) ..  رواه أبو داود كذا في الترغيب (ج2 ص499) .

قال الشيخ ابن تيمية : هذا الحديث على شرط مسلم ، وقال : وفي مسند ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ((من صلى عليَّ سمعته ، ومن صلى عليَّ نائياً بلغته)) ..  رواه الدارقطني .  وفي النسائي وغيره عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :  ((إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام)) ..  إلى أحاديث أخر في هذا الباب متعددة اهـ . (اقتضاء الصراط المستقيم ص324) .


النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجيب من ناداه قائلاً : يا محمد ..

في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أبي يعلى في ذكر عيسى : [ولئن قام على قبري فقال : يا محمد لأجيبنه] ..  ذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية 4/ص23 بعنوان حياته صلى الله عليه وآله وسلم في قبره .


إرسال السلام بالبريد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم

عن يزيد المهدي قال : لما ودعت عمر بن عبد العزيز قال : إن لي إليك حاجة ، قلت : يا أمير المؤمنين ! كيف ترى حاجتك عندي ؟ قال : إني أراك إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاقرئه مني السلام .

وعن حاتم بن وردان قال : كان عمر بن عبد العزيز يوجه البريد قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرئ عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم السلام . ذكره القاضي عياض في الشفا في باب الزيارة (ج2 ص83) .

وذكر الخفاجي والملا علي قاري في شرح الشفا أنه رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب ، وقال الخفاجي : كان من دأب السلف أنهم يرسلون السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان ابن عمر يفعله ويرسل له عليه الصلاة والسلام ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان يبلغه سلام من سلم عليه وإن كان بعيداً عنه لكن في هذا فضيلة خطابه عنده ورده عليه السلام بنفسه . اهـ . من نسيم الرياض للخفاجي (ج3 ص516) . وذكره الفيروز آبادي في الصّلات والبشر ص153 .

صوت وسلام وآذان يسمع من القبر النبوي

روى الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله الدارمي في كتابه السنن الذي يعتبر من كتب الأصول الحديثية الستة ، قال : أخبرنا مروان بن محمد عن سعيد ابن عبد العزيز قال : لما كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ، ولم يقم ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد ، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر معناه . اهـ .

من سنن الدارمي (ج1 ص44) ، ونقله الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أحكام تمني الموت من مجموعة مؤلفاته ج3 ص47 .

ونقل هذه الرواية الإمام مجد الدين الفيروز آبادي صاحب القاموس في الصلات والبشر ص154 . وقال إبراهيم بن شيبان : حججت فجئت المدينة فتقدمت إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فسلمت عليه فسمعت من داخل الحجرة : وعليك السلام .

تأييد ابن تيمية لهذه الوقائع

ذكر الشيخ ابن تيمية هذه الوقائع في معرض كلامه عن اتخاذ القبر مسجداً أو وثناً يعبد ، ثم قال : ولا يدخل في هذا الباب ما يروى من أن قوماً سمعوا رد السلام من قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو قبور غيره من الصالحين ، وأن سعيد ابن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة ونحو ذلك اهـ . (اقتضاء الصراط المستقيم ص373)(20).

ثم قال في موضع آخر : وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها وتوقي الشياطين والبهائم لها واندفاع النار عنها وعمن جاورها وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى واستحباب الإندفان عند بعضهم وحصول الأنس والسكينة عندها ونزول العذاب بمن استهان بها فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه ، وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته ، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق ، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك . اهـ . (من اقتضاء الصراط المستقيم ص374)

((ثبوت بعض هذه الكرامات لغير الأنبياء))

وقد روى أهل العلم شيئاً من هذه الكرامات لبعض السلف الصالح رضي الله عنهم حصلت لهم بعد وفاتهم ، ونقلها عنهم الثقات عن الثقات الذين رأوها بأعينهم وسننقل هنا بعض ذلك عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، قال في كتاب أحكام تمني الموت ضمن مجموعة مؤلفاته التي نشرتها جامعة الإمام محمد بن سعود :

الصلاة في القبر :

ولأحمد عن عفان عن حماد عن ثابت أنه قال : اللهم إن كنت أعطيت أحداً الصلاة في قبره ، فأعطني الصلاة في قبري .

ولأبي نعيم عن جبير قال : أنا – والله الذي لا إله إلا هو – أدخلت ثابتاً البناني في لحده ، ومعي حميد الطويل ، فلما سوينا عليه اللبن ، سقطت لبنة ، فإذا أنا به يصلي في قبره .

قراءة القرآن :

وله ولابن جرير عن إبراهيم بن المهلبي قال : حدثني الذين كانوا يمرون بالجص بالأسحار ، قالوا : كنا إذا مررنا بجبانة قبر ثابت البناني سمعنا قراءة القرآن .

وللترمذي وحسنه عن ابن عباس قال : ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خباءه على قبر ، وهو لا يحسب أنه قبر ، فإذا فيه إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها ، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : [هي المانعة ، هي المنجية ، تنجيه من عذاب القبر] .

وللنسائي والحاكم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : [نمت فرأيتني في الجنة – ولفظ النسائي : دخلت الجنة – فسمعت صوت قارئ يقرأ ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : حارثة بن النعمان] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : [كذاك البر ، كذاك البر ، كذاك البر] وكان أبر الناس بأمه .

ولابن أبي الدنيا عن الحسن قال : بلغني أن المؤمن إذا مات ولم يحفظ القرآن أمر حفظته أن يعلّموه القرآن في قبره حتى يبعثه الله يوم القيامة مع أهله .

وله عن يزيد الرقاشي نحوه ، وروى السلفي معناه من مراسيل عطية العوفي .

تزاور أهل القبور :

ولابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال : كان يحب حسن الكفن ، ويقول : إنهم يتزاورون في أكفانهم ، ومعناه في مسند ابن أبي أسامة عن جابر مرفوعاً ، وفيه ويتباهون ويتزاورون في قبورهم .

ولمسلم من حديثه : [إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه] .

وللترمذي وابن ماجه ومحمد بن يحي الهمداني في صحيحه عن أبي قتادة مرفوعاً : [إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه ، فإنهم يتزاورون في قبورهم] .

رسالة من الدنيا إلى البرزخ مع ميت :

وأخرج ابن أبي الدنيا بسند لا بأس به عن راشد بن سعد : أن رجلاً توفيت امرأته ، فرأى نساء في المنام ، ولم ير امرأته معهن ، فسألهن عنها ، فقلن : إنكم قصرتم في كفنها ، فهي تستحي أن تخرج معنا ، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : [أنظر هل إلى ثقة من سبيل ؟] فأتى رجلاً من الأنصار قد حضرته الوفاة ، فأخبره ، فقال الأنصاري : إن كان أحد يبلغ الموتى بلغت ، فتوفي الأنصاري ، فجاء بثوبين مزودين بالزعفران ، فجعلهما في كفن الأنصاري ، فلما كان الليل رأى النسوة ، ومعهن امرأته ، وعليها الثوبان الأصفران.

وروى ابن الجوزي عن محمد بن يوسف الفريابي : قصة المرأة التي رأت أمها في المنام ، تشكو إليها الكفن ، فقصوا على محمد وسألوه ، وفيه : أن أمها قالت لها : اشتروا لي كفناً ، وابعثوه مع فلانة ، قال الفريابي : فذكر الحديث : أنهم يتزاورون في أكفانهم ، فقلت : اشتروا لها كفناً ، فماتت المرأة في اليوم الذي ذكرت ، ووضعوه معها .

النور على القبور :

ولابن أبي الدنيا عن أبي غالب – صاحب أبي أمامة – أن فتى بالشام حضره الموت ، فقال لعمه : أرأيت لو أن الله تعالى دفعني إلى والدتي ما كانت صانعة بي ؟ قال : إذاً والله كانت تدخلك الجنة ، قال : فوالله الله أرحم بي من والدتي ، فقبض الفتى ، فدخلت القبر مع عمه ، فقلنا : باللبن ، فسويناه عليه ، فسقطت منها لبنة ، فوثب عمه فتأخر ، فقلت : ما شأنك ؟ فقال : مليء قبره نوراً ، وفسح له مدّ بصره .

ولأبي داود وغيره عن عائشة قالت : لما مات النجاشي ، كنّا نحدث : أنه لا يزال يرى على قبره نور .

وفي تاريخ ابن عساكر عن عبد الرحمن بن عمارة قال : حضرت جنازة الأحنف بن قيس ، فكنت فيمن نزل قبره ، فلما سويته رأيته قد فسح له مدّ بصري ، فأخبرت بذلك أصحابي ، فلم يروا ما رأيت .

وعن إبراهيم الحنفي قال : لما صلب ماهان الحنفي على بابه ، كنا نرى الضوء عنده في الليل .

انظر أحكام تمني الموت المصحح على النسخة المصورة / 771 /86 بالمكتبة السعودية بالرياض تحقيق الشيخ عبد الرحمن السدحان والشيخ عبد الله الجبرين ، مجلد الفقه القسم الثاني .

وقد ذكروا في أول المجموعة توثيق هذه النسخ وتصحيح نسبتها إلى الشيخ ، وقد قامت جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض بنشر هذه المجموعة كاملة بعد تحقيقها تحت إشرافها بمناسبة أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

 

لا تشــد الرحــال

يخطئ كثير من الناس في فهم حديث : ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى)) ..

فيستدلون به على تحريم شد الرحل لزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويعتبرون أن السفر بذلك سفر معصية ، وهذا الاستدلال مردود ، لأنه مبني على فهم باطل ، فالحديث كما سترى في باب ، والاستدلال في باب آخر ، وبيان ذلك هو أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد . جاء على الأسلوب المعروف عند اللغويين بأسلوب الاستثناء ، وهذا يقتضي وجود مستثنى ومستثنى منه ، فالمستثنى هو ما كان بعد إلا ، والمستثنى منه هو ما كان قبلها ، ولابد من الأمرين ، إما وجوداً أو تقديراً ، وهذا مقرر ومعروف في أبسط كتب النحو .

وإذا نظرنا إلى هذا الحديث وجدنا أنه قد جاء فيه التصريح بذكر المستثنى وهو قوله : (إلى ثلاثة مساجد) وهو ما بعد ((إلا)) ولم يأت ذكر المستثنى منه وهو ما قبل ((إلا)) فلابد إذن من تقديره .

فإن فرضنا أن المستثنى منه [قبر] كان اللفظ المنسوب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تشد الرحال إلى قبر إلا إلى ثلاثة مساجد . وهذا السياق ظاهر في عدم الانتظام وغير لائق بالبلاغة النبوية ، فالمستثنى غير داخل ضمن المستثنى منه ، والأصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، ولا يطمئن قلب عالم يتحرج من نسبة كلام للمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم لم يقله إلى نسبة هذه اللفظة [قبر] وهي لا تتفق مع الأصل في الاستثناء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا تصلح أن تكون هي المستثنى منه ، فلنفرض أنها لفظ [مكان] فيكون السياق المنسوب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على هذا الفرض ، لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى ثلاثة مساجد ، ومعنى هذا ألا تسافر إلى تجارة أو علم أو خير ، وهذا ضرب من الهوس ظاهر البطلان .

فالحديث اشتمل على ذكر المستثنى وليس فيه ذكر المستثنى منه ، ولذلك فلابد من تقديره باتفاق أهل اللغة ، وتقديره لا يحتمل إلا ثلاثة وجوه لا رابع لها الوجه الأول : أن يكون تقديره بلفظ [ قبر] فيكون اللفظ المقدر : لا تشد الرحال إلى قبر إلا إلى ثلاثة مساجد .

وهذا التقدير مبني على رأي من يستدل بالحديث على منع السفر للزيارة ، وأنت ترى أنه تقدير بارد ممجوج لا يستسيغه من عنده أدنى إلمام بالعربية ، وهو لا تليق نسبته إلى أفصح من نطق بالضاد صلوات الله وسلامه عليه ، فحاشا أن يرضى بمثل هذا الأسلوب الساقط .

الوجه الثاني : أن يكون تقدير المستثنى منه في الحديث بلفظ عام وهو لفظ [ مكان ] وهذا باطل كما تقدم بلا خلاف ولا قائل به .

الوجه الثالث : أن يكون تقدير المستثنى منه في الحديث بلفظ [ مسجد ] فيكون سياق الحديث بلفظ : لا تشد الرحال إلى مسجد إلا إلى ثلاثة مساجد . فنرى أن الكلام قد انتظم وجرى على الأسلوب اللغوي الفصيح ، واختفى التهافت الواضح في الصورتين المتقدمتين وأشرقت فيه روح النبوة . ويطمئن القلب التقي إلى نسبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا بفرض أنه لا توجد رواية أخرى مصرحة بالمستثنى منه فإذا وجدت هذه الرواية فلا يحل لمن له دين أن يعدل

عنها إلى محض فرض لا يستند إلى فصيح اللغة .

وقد وجدنا بحمد الله في السنة النبوية من طريق الروايات المعتبرة ما فيه التصريح بالمستثنى منه ، فمنها : ما أخرجه الإمام أحمد من شهر بن حوشب قال : سمعت أبا سعيد وذكرت عنده الصلاة والسلام في الطور فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((لا ينبغي للمطي أن يشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي)) ..

قال الحافظ ابن حجر : وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض ضعف .

(فتح الباري ج3 ص65) .

وفي لفظ آخر :

((لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا)) ..

قال الحافظ الهيثمي : وفيه شهر ، فيه كلام وحديثه حسن .

(مجمع الزوائد ج4 ص3)

ومنها ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

((أنا خاتم النبياء ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء أحق المساجد أن يزار وتشد إليه الرواحل : المسجد الحرام ومسجدي ، صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام)) ..

رواه البزار . (مجمع الزوائد ج4 ص3)

فكلامه صلى الله عليه وآله وسلم في المساجد ليبين للأمة أن ما عدا هذه المساجد الثلاثة متساو في الفضل ، فلا فائدة في التعب بالسفر إلى غيرها ، أما هي فلها مزيد فضل ، ولا دخل للمقابر في هذا الحديث فإقحامها في هذا الحديث يعتبر ضرباً من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، هذا مع أن الزيارة مطلوبة بل وكثير من العلماء يذكرونها في كتب المناسك على أنها من المستحبات ، ويؤيد هذا أحاديث كثيرة ، نذكر جملة منها .

عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :

((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) ..

رواه البزار وفيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري وهو ضعيف ، ونقله الشيخ ابن تيمية ، وقال : إنه ضعيف ولم يحكم بوضعه أو كذبه اهـ . (الفتاوى ج27 ص30) في هذا الموضع ، فإن ثبت غير هذا عنه في موضع آخر فمعناه أنه متردد في الحكم عليه ، أو أنه اختلف رأيه فيه ولم نعلم المتقدم من المتأخر فلا يوثق بواحدة حينئذ .

عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

((من جاءني زائراً لا يعلم له حاجة إلا زيارتي كان حقاً عليَّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) ..

رواه الطبراني في الأوسط والكبير ، وفيه مسلمة بن سالم وهو ضعيف .

(كذا في المجمع ج4 ص2) .

وقال الحافظ العراقي : صححه ابن السكن (المغني ج1 ص265) .

عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :

((من حج فزار قبري في مماتي كان مكن زارني في حياتي)) ..

رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، وفيه حفص بن أبي داود القارئ وثقه أحمد ، وضعفه جماعة من الأئمة .

عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

((من زار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي)) ..

قال الهيثمي : رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه عائشة بنت يونس ، ولم أجد من ترجمها (كذا في مجمع الزوائد 4/2) .

والحاصل أن أحاديث الزيارة لها طرق كثيرة يقوي بعضها بعضاً ، كما نقله المناوي عن الحافظ الذهبي في فيض القدير (ج6 ص140) خصوصاً وإن بعض العلماء صححها أو نقل تصحيحها كالسبكي وابن السكن والعراقي والقاضي عياض في الشفا ، والملا علي قاري شارحه والخفاجي كذلك في نسيم الرياض (ج3 ص511) ، وكلهم من حفاظ الحديث وأئمته المعتمدين ، ويكفي أن الأئمة الأربعة رضي الله عنهم وغيرهم من فحول العلماء وأركان الدين قالوا بمشروعية زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما نقله عنهم أصحابهم في كتب فقههم المعتمدة ، وهذا كاف منهم في تصحيح أحاديث الزيارة وقبولها لأن الحديث الضعيف يتأيد بالعمل والفتوى ، كما هو معروف من قواعد الأصوليين والمحدثين .

] ] ]

زيارة القبر هي زيارة المسجد

في اعتبار الشيخ ابن تيمية

للشيخ ابن تيمية رأي نفيس جاء ضمن كلامه عن الزيارة ، فبعد أن تكلم عن بدعية شد الرحل للقبر النبوي المحمدي وحده دون المسجد رجع فقال :

وهذا المعترض وأمثاله جعلوا السفر إلى قبور الأنبياء نوعاً من القربة ثم لما رأوا ما ذكره العلماء من استحباب زيارة قبر نبينا ظنوا أن سائر القبور يسافر إليها كما يسافر إليه ، فضلوا من وجوه :

أحدهما : أن السفر إليه إنما هو سفر إلى مسجده وهو مستحب بالنص والإجماع .

الثاني : أن هذا السفر هو للمسجد في حياة الرسول وبعد دفنه وقبل دخول الحجرة وبعد دخول الحجرة فيه ، فهو سفر إلى المسجد سواء كان القبر هناك أو لم يكن ، فلا يجوز أن يشبه به السفر إلى قبر مجرد ……………

ثم قال : السادس : أن السفر إلى مسجده – الذي يسمى السفر لزيارة قبره – هو ما أجمع عليه المسلمون جيلاً بعد جيل ، وأما السفر إلى سائر القبور فلا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان بل ولا عن أتباع التابعين .

ثم قال : والمقصود أن المسلمين ما زالوا يسافرون إلى مسجده ولا يسافرون إلى قبور الأنبياء كقبر موسى وقبر الخليل عليهما السلام ، ولم يعرف عن أحد من الصحابة أنه سافر إلى قبر الخليل مع كثرة مجيئهم إلى الشام وبيت المقدس ، فكيف يجعل السفر إلى مسجد الرسول الذي يسميه بعض الناس زيارة لقبره مثل السفر إلى قبور الأنبياء ؟

فيستفاد من كلام الشيخ ابن تيمية فائدة مهمة جداً وهي أنه لا يتصور أبداً أن يشد الزائر رحله قاصداً زيارة القبر وحده ، ثم لا يدخل إلى المسجد ويصلي فيه ليستفيد من بركاته ومضاعفة صلاته ، وروضة الجنة التي فيه ويقابله أنه لا يعقل أبداً أن يشد الزائر رحله قاصداً زيارة المسجد وحده ثم لا يتوجه إلى الزيارة ولا يقف بالقبر الشريف للسلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما .

ولذلك ترى الشيخ يشير في عبارته إلى هذا المعنى بقوله مثلاً : (فكيف يجعل السفر إلى مسجد الرسول الذي يسميه بعض الناس زيارة) ؟ .

وبقوله : (إن السفر إليه إنما هو سفر إلى مسجده) .

وبقوله : (إن السفر إلى مسجده الذي يسمى السفر لزيارة قبره هو ما أجمع عليه المسلمون) .

فهذا الرأي الجيد النفيس يحل مشكلة كبرى فرقت بيننا معشر المسلمين وبسببها كفر بعضنا بعضاً وأخرجه عن دائرة الإسلام ، ولو سلك من ادعى أنه متبع للسلف مسلك ابن تيمية إمام السلف في عصره والتمس للناس العذر في مقاصدهم وحسن الظن بهم لسلم جمع غفير من دخول النار وفازوا بالجنة دار القرار .

وهذا هو الحق الذي ندين الله به ونعتقده بكل صدق سواء صرحنا به أو لم نصرح ، فلو قال الواحد منا : أنا مسافر لزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو قبره فهو قاصد في الجملة مسجده الشريف ، ولو قال : أنا مسافر لزيارة المسجد ، فهو قاصد في الجملة القبر ، غاية ما في الأمر أنه فاته التصريح بكل ما يقصده وينويه للارتباط الوثيق بين المسجد والقبر الذي هو في الحقيقة عبارة عن قصد النبي ذاته صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن المسافر لزيارة القبر إنما هو مسافر في الحقيقة إلى النبي نفسه صلى الله عليه وآله وسلم .

أما القبر حقيقة فلا يقصده ولا يتوجه إليه مسافر ، ونحن إنما نتوجه إليه صلى الله عليه وآله وسلم ونشد رحالنا لزيارته هو ونتقرب إلى الله بتلك الزيارة ، ولذلك فالواجب على المسلمين الزائرين أن يصححوا ألفاظهم ابتعاداً عن الشبهة ، ويقولوا : نحن نزور رسول الله ونشد الرحل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن هنا قال مالك : أكره للرجل أن يقول : زرت قبر الرسول .

وفسره العلمـاء من أئمـة المالكيـة بأن ذلك من الأدب في التعبير اللفظي ،

ولو كان المسافر لزيارة القبر لا يقصد إلا زيارة القبر فقط لما رأيت هذا الازدحام الشديد على الروضة المشرفة .

ولما رأيت الناس يتسابقون ويتدافعون عند فتح أبواب المسجد النبوي حتى ليكاد يقتل بعضهم بعضاً ، وهؤلاء الذين يحرصون على الصلاة في المسجد والمسابقة إلى الروضة هم الذين جاءوا لزيارة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، وشدوا رحلهم إليه .

] ] ]

تـحقـيق مفـيد

تحقيق العلامة الشيخ عطية محمد سالم صاحب تكملة أضواء البيان

وقد ذكر هذه المسألة العلامة الشيخ عطية محمد سالم القاضي بالمدينة المنورة في كتابه الذي تمم به التفسير المشهور المسمى بأضواء البيان للعلامة المفسر الشيخ محمد أمين الشنقيطي فقال :

وأعتقد أن هذه المسألة لولا نزاع معاصري شيخ الإسلام معه في غيرها لما كان لها محل ولا مجال .

ولكنهم وجدوها حساسة ولها مساس بالعاطفة ومحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأثاروها وحكموا عليه بالالتزام أي بلازم كلامه حينما قال :

لا يكون شد الرحال لمجرد الزيارة ، بل تكون للمسجد من أجل الزيارة عملاً بنص الحديث ، فتقولوا عليه ما لم يقله صراحة ، لو حمل كلامه على النفي بدل من النهي لكان موافقاً أي لا يتأتى ذلك لأنه رحمه الله لم يمنع زيارته صلى الله عليه وآله وسلم ولا السلام عليه ، بل يجعلها من الفضائل والقربات ، وإنما يلتزم بنص الحديث في جعل شد الرحال إلى المسجد ولكل شيء ، ومنه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما صرح بذلك في كتبه . اهـ كلام الشيخ عطية في أضواء البيان (ج8 ص586).

ثم نقل من نصوص كلام ابن تيمية ما نقلناه عنه ثم قال :

فدل كلامه رحمه الله أن زيارة القبر والصلاة في المسجد مرتبطان ، ومن ادعى انفكاكهما عملياً فقد خالف الواقع ، وإذا ثبتت الرابطة بينهما انتفى الخلاف وزال موجب النزاع والحمد لله رب العالمين ، وصرح في موضع آخر ص346 في قصر الصلاة في السفر لزيارة قبور الصالحين عن أصحاب أحمد أربعة أقوال ، الثالث منها : تقصر إلى قبر نبينا عليه الصلاة والسلام .

(أضواء البيان ج8 ص590) ، ثم قال الشيخ عطية :

وهذا غاية في التصريح منه رحمه الله أنه لا انفكاك من حيث الواقع بين الزيارة والصلاة في المسجد عند عامة العلماء .

ثم قال في حق الجاهل : وأما من لم يعرف هذا فقد لا يقصد إلا السفر إلى القبر ، ثم إنه لابد أن يصلي في مسجده فيثاب على ذلك ، وما فعله وهو منهي عنه ولم يعلم أنه منهي عنه لا يعاقب فيحصل له أجر ولا يكون عليه وزر .

(أنظر أضواء البيان ج8 ص590) .

وبه يظهر لك أن قاصد القبر على كل حال ليس بمحروم من الأجر والثواب فهل يقال في حقه : أنه مبتدع أو ضال أو مشرك ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .

 

الإمام مالك والزيارة

الإمام مالك هو من أشد الناس تعظيماً للجناب النبوي وهو الذي كان لا يمشي في المدينة المنورة متنعلاً ولا راكباً ولا يقضي فيها حاجته احتراماً وتعظيماً وتكريماً لتراب المدينة الذي مشى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وها هو يخاطب أمير المؤمنين المهدي لما جاء إلى المدينة في هذا الموضوع ويقول له : إنك تدخل الآن المدينة فتمر بقوم عن يمينك ويسارك وهم أولاد المهاجرين والأنصار فسلم عليهم فإنه ما على وجه الأرض قوم خير من أهل المدينة ، ولا خير من المدينة . فقال له : ومن أين قلت ذلك يا أبا عبد الله ؟ قال : لأنه لا يعرف قبر نبي اليوم على وجه الأرض غير قبر محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن قبر محمد عندهم فينبغي أن يعلم فضلهم .

(كذا في المدارك للقاضي عياض).

ومن شدة تعظيمه للمدينة أنه كره أن يقال : زرنا قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكأنه أراد أن يقول القائل زرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة دون لفظ القبر ، لأن القبر مهجور بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً .

قال الحافظ ابن حجر : إنه إنما كره اللفظ أدباً لا أصل الزيارة فإنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال ، وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع . (فتح الباري شرح صحيح البخاري ج3 ص66) .

وقال الإمام الحافظ ابن عبد البر : إنما كره مالك أن يقال : طواف الزيارة وزرنا قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاستعمال الناس ذلك بعضهم لبعض ، أي فيما بينهم فكره تسوية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مع الناس أي عمومهم بهذا اللفظ ، وأحب أن يخص بأن يقال : سلمنا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

وأيضاً فإن الزيارة مباحة بين الناس وواجب شد المطي إلى قبره صلى الله عليه وآله وسلم يريد بالوجوب هنا وجوب ندب وترغيب وتأكيد لا وجوب فرض ، والأولى عندي أن منعه وكراهة مالك له لإضافته إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنه لو قال : زرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكرهه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم :

((اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد بعدي ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) ..

فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبيه بفعل أولئك قطعاً للذريعة وحسماً للباب .

قلت : ولو كان المقصود كراهية الزيارة لقال مالك : أكره للرجل أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لكن ظاهر قوله : (أكره للرجل أن يقول الخ ..) على أن المقصود هو كراهة التعبير بهذا اللفظ فقط .

 

] ] ]

استحباب زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الحنابلة وغيرهم

زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مشروعة وقد ذكرها كثير من علماء الأمة وأئمة السلف ، وتخصيص الحنابلة بالذكر المقصود منه رد فرية من زعم أن أئمة الحنابلة لا يقولون بذلك ، فاقتضى الأمر تخصيصهم بالذكر لرد هذه الفرية ، وإلا فإن كتب فقه المذاهب الإسلامية جميعها مشحونة ومملوءة بهذه المسألة فانظر إن شئت كتب الفقه الحنفي ، وانظر إن شئت كتب الفقه المالكي ، وكتب الفقه الشافعي والحنبلي ، وكتب الفقه الزيدي والإباضي والجعفري ، فإنك تجدهم قد عقدوا باباً مخصوصاً في الزيارة بعد أبواب المناسك .

] ] ]

كلام أئمة السلف في مشروعية زيارة

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشد الرحل إلى قبره

1 – القاضي عياض :

نذكر هنا كلام القاضي عياض في مشروعية الزيارة النبوية عند السلف ، في شرحه للحديث الذي رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :

((إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها)) ..

قال القاضي عياض : وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : وهو يأرز إلى المدينة معناه : أن الإيمان أولاً وآخراً بهذه الصفة ، لأنه في أول الإسلام كان كل من خلص إيمانه وصح إسلامه أتى المدينة إما مهاجراً مستوطناً وإما متشوقاً إلى رؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومتعلماً منه ومتقرباً ، ثم بعده هكذا في زمن الخلفاء كذلك ولأخذ سيرة العدل منهم والاقتداء بجمهور الصحابة رضوان الله عليهم فيها ، ثم من بعدهم من العلماء الذين كانوا سرج الوقتوأئمة الهدى لأخذ السنن المنتشرة بها عنهم ، فكان كل ثابت الإيمان منشرح الصدر به يرحل إليها ثم بعد ذلك في كل وقت إلى زماننا لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتبرك بمشاهده وآثار أصحابه الكرام ، فلا يأتيها إلا مؤمن .

هذا كلام القاضي عياض ، والله أعلم بالصواب اهـ . شرح صحيح مسلم للنووي ص177 .

2- الإمام النووي :

عقد الإمام الحافظ شرف الدين النووي صاحب شرح صحيح مسلم في كتابه المعروف في المناسك المسمى بالإيضاح ، عقد فصلاً خاصاً عن الزيارة النبوية ، قال فيه : إذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة فليتوجهوا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لزيارة تربته صلى الله عليه وآله وسلم فإنها من أهم القربات وأنجح المساعي .

(وانظر كلامه أيضاً في شرح صحيح مسلم عند الكلام على حديث لا تشد الرحال (ج9 ص106) .

3- الإمام ابن حجر الهيثمي :

قال الحافظ ابن حجر الهيثمي في حاشيته على الإيضاح للنووي معلقاً على قوله : (وقد روى البزار والدارقطني بإسنادهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) ..

قال : رواه أيضاً ابن خزيمة في صحيحه وصححه جماعة كعبد الحق والتقي السبكي ، ولا ينافي ذلك قول الذهبي : طرقها كلها لينة ، يقوي بعضها بعضاً.

ورواه الدارقطني أيضاً والطبراني وابن السبكي وصححه بلفظ :

((من جاءني زائراً لا تحمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً عليَّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) ..

وفي رواية :

((كان له حقاً على الله عز وجل أن أكون له شفيعاً يوم القيامة)) ..

والمراد بقوله : لا تحمله حاجة إلا زيارتي ، اجتناب قصد ما لا تعلق له بالزيارة . أما ما يتعلـق بها من نحو قصد الاعتكـاف في المسجد النبـوي ، وكثرة العبادة فيه ، وزيارة الصحابة وغير ذلك مما يندب للزائر فعله ، فلا يضر قصده في حصول الشفاعة له ، فقد قال أصحابنا وغيرهم : يسن أن ينوي مع التقرب بالزيارة التقرب بشد الرحل للمسجد النبوي والصلاة فيه كما ذكره المصنف .

ثم الحديث يشمل زيارته صلى الله عليه وآله وسلم حياً وميتاً ، ويشمل الذكر والأنثى الآتي من قرب أو بعد ، فيستدل به على فضيلة شد الرحال لذلك ، وندب السفر للزيارة إذ للوسائل حكم المقاصد .

وقد أخرج أبو داود بسند صحيح :

((ما من أحد يسلم عليَّ إلا ردّ الله عليَّ روحي ، حتى أرد عليه السلام)).

فتأمل هذه الفضيلة العظيمة وهي رده صلى الله عليه وآله وسلم على المسلم عليه إذ هو صلى الله عليه وآله وسلم حي في قبره كسائر الأنبياء لما ورد مرفوعاً : الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون ، ومعنى رد روحه الشريفة ، رد القوة النطقية في ذلك الحين للرد عليه . اهـ .

(من الإيضاح ص488)

4- الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني :

قال ابن حجر في شرحه على البخاري عند قوله : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) . قوله : إلا إلى ثلاثة مساجد المستثنى منه محذوف ، فإما أن يقدر عاماً فيصير : لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلا لثلاثة . أو أخص من ذلك ، لا سبيل إلى الأول لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها ، فتعين الثاني ، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو : لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى الثلاثة ، فيبطل بذلك قول من منع شد الرحال إلى زيارة القبر الشريف وغيره من قبور الصالحين ، والله أعلم .

وقال السبكي الكبير : وقد التبس ذلك على بعضهم فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة لمن في غير الثلاثة داخل في المنع ، وهو خطأ ، لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه ، فمعنى الحديث : لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد أو إلى مكان من الأمكنة لأجل ذلك المكان إلا إلى الثلاثة المذكورة ، وشد الرحال إلى زيارة أو طلب علم ليس إلى المكـان بل إلى من في ذلك المكـان ، والله أعلـم

اهـ . (فتح الباري ج3 ص66) .

5- الإمام الشيخ الكرماني شارح البخاري :

قال الشيخ الكرماني في شرحه على البخاري عند قوله : (إلا إلى ثلاثة مساجد) : ولاستثناء مفرغ ، فإن قلت : فتقدير الكلام لا تشد الرحال إلى موضع أو مكان فيلزم أن لا يجوز السفر إلى مكان غير المستثنى ، حتى لا يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل عليه السلام ونحوه ، لأن المستثنى منه في المفرغ لابد أن يقدر أعم العام .

قلت : المراد بأعم العام ما يناسب المستثنى نوعاً ووصفاً كما إذا قلت : ما رأيت إلا زيداً ، كان تقديره : ما رأيت رجلاً أو أحداً إلا زيداً ، لا ما رأيت شيئاً أو حيواناً إلا زيداً ، فههنا تقديره : لا تشد إلى مسجد إلا إلى ثلاثة ، وقد وقع في هذه المسألة في عصرنا مناظرات كثيرة في البلاد الشامية ، وصنف فيها رسائل من الطرفين لسنا الآن لبيانها . اهـ . شرح الكرماني (ج7 ص12) .

6- الشيخ الإمام بدر الدين العيني :

قال الشيخ العيني في شرح البخاري : وحكى الرافعي عن القاضي ابن كج أنه قال : إذا نذر أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعندي أنه يلزمه الوفاء وجهاً واحداً ، قال : ولو نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان عندي . وقال القاضي عياض ، وأبو محمد الجويني من الشافعية : أنه يحرم شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة لمقتضى النهي . وقال النووي : وهو غلط ، والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره . وقال الخطابي : لا تشد لفظه خبر ومعناه الإيجاب فيما نذره الإنسان من الصلاة في البقاع التي يتبرك بها أي لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك حتى يشد الرحل له ويقطع المسافة إليه غير هذه الثلاثة التي هي مساجد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فأما إذا نذر الصلاة في غيرها من البقاع فإن له الخيار في أن يأتيها أو يصليها في موضعه ولا يرحل إليها .

وقال شيخنـا زيـن الدين : من أحسن محامـل هذا الحديث أن المراد منـه

 

حكم المساجد فقط وأنه لا يشد الرحل إلى مسجد من المساجد غير هذه الثلاثة فأما قصد غير المساجد من الرحلة في طلب العلم وفي التجارة والتنـزه وزيارة الصالحين والمشاهد وزيارة الإخوان ونحو ذلك فليس داخلاً في النهي ، وقد ورد ذلك مصرحاً به في بعض طرق الحديث في مسند أحمد : حدثنا هاشم حدثنا عبد الحميد حدثني شهر سمعت أبا الخدري رضي الله عنه وذكر عند صلاة في الطور ، فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

((لا ينبغي للمصلي أن يشد رحاله إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا)) ..

وإسناده حسن ، وشهر بن حوشب وثقه جماعة من الأئمة اهـ . (عمدة القاري ج7 ص254) .

7- الشيخ أبو محمد ابن قدامة إمام الحنابلة صاحب كتاب المغني :

قال الشيخ أبو محمد موفق الدين عبد الله ابن قدامة : ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

((من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)) ..

وفي رواية :

((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) ..

رواه باللفظ الأول سعيد حدثنا حفص بن سليمان عن ليث عن مجاهد عن ابن عمر ، وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن قسيط عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :

((ما من أحد يسلم عليَّ عند قبري إلا رد الله عليَّ روحي حتى أردّ عليه السلام)) ..

وإذا حج الذي لم يحج قط يعني من غير طريق الشام لا يأخذ على طريق المدينة لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أقصد الطرق ولا يتشاغل بغيره ، ويروى عن العتبي قال : كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاء أعرابي فقال : السلام عليك يا رسول الله ! سمعت الله يقول : } وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً { وقد جئتك مستغفراً لذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ، ثم أنشد يقول :

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثم انصرف الأعرابي فحملتني عيني فنمت فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم فقال : يا عتبي إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له . اهـ

(المغني لابن قدامة ج3 ص556) .

8- الشيخ أبو الفرج بن قدامة إمام الحنابلة وصاحب الشرح الكبير :

قال الشيخ شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة الحنبلي في كتابه الشرح الكبير :

[ مسألة ] : فإذا فرغ من الحج استحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما .

ثم ذكر الشيخ ابن قدامة صيغة تقال عند السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيها أن يقول : (اللهم إنك قلت وقولك الحق : } وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً { وقد أتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته ، اللهم اجعله أول الشافعين وأنجح السائلين وأكرم الأولين والآخرين برحمتك يا أرحم الراحمين) .

ثم قال : ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا تقبيله ، قال أحمد رحمه الله : ما أعرف هذا ، قال الأثرم : رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يقومون من ناحية فيسلمون ، قال أبو عبد الله : وهكذا كان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل ، قال : أما المنبر فقد جاء فيه ما رواه إبراهيم ابن عبد الله بن عبد القارئ إنه نظر إلى ابن عمر وهو يضع يده على مقعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر ثم يضعها على وجهه . اهـ . (الشرح الكبير ج3 ص495) .

9- الشيخ منصور بن يونس البهوتي الحنبلي :

قال الشيخ منصور بن يونس البهوتي في كتابه ((كشاف القناع عن متن الإقناع)) : فصل وإذا فرغ من الحج استحب له زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لحديث الدارقطني عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

((من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي)) ..

وفي رواية :

((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) ..

رواه باللفظ الأول سعيد .

( تنبـيه ) :

قال ابن نصر الله : لازم استحباب زيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم استحباب شد الرحال إليها ، لأن زيارته للحاج بعد حجه لا تمكن بدون شد الرحال ، فهذا كالتصريح باستحباب شد الرحل لزيارته صلى الله عليه وآله وسلم . اهـ (كشاف القناع ج2 ص598) .

10- شيخ الإسلام محمد تقي الدين الفتوحي الحنبلي :

قال الشيخ الفتوحي : وسن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبر صاحبيه رضي الله تعالى عنهما ، فيسلم عليه مستقبلاً له ، ثم يستقبل القبلة ، ويجعل الحجرة عن يساره ، ويدعو ، ويحرم الطواف بها ، ويكره التمسح ورفع الصوت عندها .

11- الشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي :

قال الشيخ مرعي بن يوسف في كتابه دليل الطالب : وسن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبر صاحبيه رضوان الله عليهما ، وتستحب الصلاة في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم وهي بألف صلاة ، وفي المسجد الحرام بمائة ألف ، وفي المسجد الأقصى بخمسمائة . اهـ (دليل الطالب ص88) .

12- الإمام شيخ الإسلام مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي صاحب القاموس قال في كتابه : [الصلات والبشر] :

اعلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند قبره آكد فيستحب إعمال المطي لإدراك الفوز بهذا الشرف العظيم والمنصب الكريم ، قال القاضي ابن كج : [هو القاضي يوسف بن أحمد بن كج] فيما حكاه الرافعي : إذا نذر أن يزور قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعندي أن يلزمه الوفاء وجهاً واحداً ، ولو نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان عندي ، وقد علم أنه لا يلزمه بالنذر إلا العبادات .

ومن صرح باستحبابها وكونها سنة من أصحابنا الرافعي في أواخر باب أعمال الحج ، والغزالي في الإحياء والبغوي في التهذيب والشيخ عز الدين ابن عبد السلام في مناسكه وأبو عمرو بن الصلاح ، وأبو زكريا النووي رحمهم الله تعالى .

ومن الحنابلة : الشيخ موفق الدين ، والإمام أبو الفرج البغدادي وغيرهما .

ومن الحنفية : صاحب الاختيار في شرح المختار له ، عقد لها فصلاً وعدها من أفضل المندوبات المستحبات .

وأما المالكية : فقد حكى القاضي عياض منهم الإجماع على ذلك ، وفي كتاب تهذيب المطالب لعبد الحق الصقلي عن الشيخ أبي عمران المالكي أن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم واجبة ، قال عبد الحق : يعني من السنن الواجبة ، وفي كلام العبدي المالكي في شرح الرسالة : أن المشي إلى المدينة لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من الكعبة ومن بيت المقدس ، وأكثر عبارات الفقهاء أصحاب المذاهب تقتضي السفر للزيارة لأنهم استحبوا للحاج بعد الفراغ من الحج الزيارة ، ومن ضرورتها:السفر،وأما نفس الزيارة فالأدلة عليها كثيرة منها: قوله تعالى:}وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً{ .

ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم حي ، وأن أعمال أمتـه معروضـة عليـه

ثم ذكر الشيخ جملة من أحاديث الزيارة . انتهى من كتاب ((الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر)) تأليف شيخ الإسلام مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (ص147) .

13- الإمام الشيخ محمد بن علان الصديقي الشافعي شارح الأذكار :

قال معلقاً على قول النووي [فإن زيارته أفضل القربات وأنجح المساعي] : وكيف لا وقد وعد الزائر بوجوب شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم وهي لا تجب إلا لأهل الإيمان ففي ذلك التبشير بالموت على الإيمان مع ما ينضم إلى ذلك بسماعه صلى الله عليه وآله وسلم سلام الزائر من غير واسطة . أخرج أبو الشيخ : من صلى عليَّ عند قبري سمعته ، ومن صلى عليَّ بعيداً أعلمته . قال الحافظ : وينظر في سنده ، وأخرج أبو داود وغيره عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :

((ما من أحد يسلم عليّ إلا ردّ الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام)) ..

قال الحافظ : حديث حسن أخرجه أحمد والبيهقي وغيرهما وأنبئت عن الشيخ السبكي في شفاء السقام قال : اعتمد جماعة من الأئمة على هذا الحديث في استحباب زيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم وهو اعتماد صحيح لأن الزائر إذا سلم عليه وقع الرد عليه من قرب وتلك فضيلة مطلوبة اهـ .

أقول ورده عليه كذلك بنفسه ولو لم يكن للزائر من القرى إلا هذا الخطاب لكان فيه الغنى ، كيف وفيه الشفاعة العظمى ومضاعفة الصلاة في ذلك الحرم الأسنى ، وقد أورد جملة من الأحاديث في ذلك التقي السبكي في شفاء السقام ، وابن حجر الهيثمي في الدر المنظم ، وتلميذه الفاكهي في حسن الاستشارة في آداب الزيارة . اهـ من الفتوحات الربانية على الأذكار النووية (ج5 ص31) .

 

] ] ]

الزيارة النبوية السلفية

ومعلوم أن المقصود بالزيارة هو الزيارة الشرعية وهي التي بينت السنة النبوية آدابها وما ينبغي أن يفعله الزائر .

قال الشيخ ابن تيمية مبينا الفرق بين زيارة أهل التوحيد وبين زيارة أهل الشرك : (فزيارة أهل التوحيد لقبور المسلمين تتضمن السلام عليهم والدعاء لهم ، وهو مثل الصلاة على جنائزهم ، وزيارة أهل الشرك تتضمن أنهم يشبهون المخلوق بالخالق ، ينذرون له ويسجدون له ويدعونه ويحبونه مثل ما يحبون الخالق ، فيكونون قد جعلوه لله نداً وسووه برب العالمين ، وقد نهى الله أن يشرك به الملائكة والأنبياء وغيرهم ، فقال تعالى (آل عمران آيتي : 79،80) : } مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ {79} وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ{. وقال تعالى (الإسراء آيتي : 56،57) : } قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً {56} أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً{. قالت طائفة من السلف : كان أقوام يدعون الأنبياء كالمسيح وعزير ويدعون الملائكة فأخبرهم تعالى أن هؤلاء عبيده يرجون رحمته ويخافون عذابه ويتقربون إليه بالأعمال . اهـ (الجواب الباهر في زوار المقابر لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية ص21) .

قلت : وهل زيارتنا لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم إلا على هذا المنهج وبهذا الطريق السوي والصراط المستقيم ؟ .

فالله يشهد وملائكته وحملة عرشه وأهل السماوات والأرض أننا في زيارتنا لسيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا نعتقد إلا أنه صلى الله عليه وآله وسلم بشر يوحى إليه ، من خيار عبيد الله يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه ويتقرب إليه بالأعمال ، بل هو أشد الناس حرصاً على ذلك ، فهو أتقانا لله وأخوفنا من الله وأعلمنا بالله وأعرفنا به ، لا نشبهه بالخالق ولا ننذر له ولا نسجد له ولا ندعوه ولا نجعله لله نداً ولا نسويه برب العالمين ، ونحبه كما أمر أكثر كم النفس والمال والولد .

] ] ]

الشيخ ابن القيم والزيارة النبوية

وقد ذكر الشيخ ابن القيم في قصيدته المعروفة بالنونية كيف تكون الزيارة وما هي الآداب المطلوبة فيها ، وكيف ينبغي أن يكون شعور الزائر وهو واقف أمام المواجهة الشريفة ، وما ذا ينبغي أن يحس به تجاه صاحب القبر وذكر في آخر تلك الأبيات أن الزيارة بهذا الإحساس والشعور وبتلك الكيفية هي من أفضل الأعمال فقال :

فإذا أتينا المسجد النبـوي صلــ ـينـا التحـيـة أولاً ثـنـتـان

بتمام أركان لها وخشوعهــــا وحضور قلب فعل ذي الإحسـان

ثم انثنينـا للزيـارة نقصد الــ ـقبر الشريف ولو على الأجفـان

فنقوم دون الـقبر وقفـة خاضع متذلـل في السر والإعــــلان

فكأنـه في الـقبر حي ناطــق فالواقفــون نواكـس الأذقــان

ملـكتهم تلك المهابة فاعتـرت تلك القــوائم كثرة الرجفــان

وتفجرت تلك العيـون بمائهـا ولطـالما غاضـت على الأزمــان

وأتى المسلـم بالسـلام بهيبـة ووقــار ذي علــم وذي إيمان

لم يرفع الأصوات حول ضريحـه كـلا ولم يسجـد على الأذقــان

كلا ولم ير طائفـاً بالقبر أســ ـبوعـاً كأن القبـر بيت ثـــان

ثم انثنـى بدعائـه متوجـهـاً للــه نحــو البـيت ذي الأركان

هذي زيارة من غدا متماسكـاً بشريعـة الإســلام والإيمـــان

من أفضل الأعمال هاتيك الزيا رة وهـي يـوم الحشر في الميــزان

(انظر النونية المشهورة لابن القيم) .

وتدبر قوله رحمه الله : (من أفضل الأعمال هاتيك الزيارة) فقد أعمى الله بصيرة بعض من القراء عن قراءتها فأنكرها .

القبر النبوي الشريف

إن بعض الناس أصلحهم الله وهداهم إلى الصراط المستقيم ينظر إلى القبر النبوي المكرم من الزاوية القبورية فقط ولهذا فإنه لا غرابة في كل ما يقع في ذهنه من تصورات فاسدة ولا غرابة في كل ما يقع في قلبه من ظنون سيئة بالمسلمين والزائرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والقاصدين إليه والداعين عند قبره فتراه يقول : لا تشد الرحال إلى قبره صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يجوز الدعاء عند قبره ، بل قد يصل به العنت إلى أن يقول : إن الدعاء عند قبره شرك أو كفر ، وإن استقبال القبر بدعة أو ضلال ، وإن إكثار الوقوف والتردد على القبر شرك أو بدعة أو أن من قال : إن القبر أفضل البقاع وبما فيها الكعبة فقد أشرك أو ضل . وهذا التكفير والتضليل هكذا بالكيل الجزاف دون تبصر أو تعقل مخالف لما عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين .

ونحن حينما نتكلم عن القبر أو عن زيارة القبر أو عن تفضيل القبر أو شد الرحال إلى القبر أو دعاء الله وسؤاله أمام القبر فإن المقصود الذي لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان إنما هو ساكن القبر وصاحباه ، ألا وهو سيد المرسلين والآخرين وأفضل مخلوقات الله أجمعين النبي الأعظم والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وما هي قيمة القبر بدونه بل ما هي قيمة المسجد بدونه بل ما هي قيمة المدينة المنورة بدونه بل ما هي قيمة المسلمين كلهم بدونه ، فإنهم لولاه ولولا رسالته والإيمان به ومحبته والإقرار بالشهادة التي لا تصح إلا به ما كانوا ولا قاموا ولا فازوا ولا نجوا .

ومن هنا فإن ابن عقيل الحنبلي لما سئل عن المفاضلة بين الحجرة والكعبة فقال : إن أردت مجرد الحجرة فالكعبة أفضل ، وإن أردت وهو صلى الله عليه وآله وسلم فيها فلا والله لا العرش وحملته ولا جنة عدن ولا الأفلاك الدائرة ، لأن بالحجرة جسداً لو وزن بالكونين لرجح . (كذا في بدائع الفوائد لابن القيم) .

هذا هو المقصود بالقبر وتفضيله وزيارته وشد الرحال إليه .

ومن هنـا أيضاً قال العلمـاء : إنه لا ينبغي أن يقـول : زرت الـقبر وإنما

زرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( ) ، وهذا ما قرره العلماء في تفسير قول الإمام مالك رحمه الله : أكره للرجل أن يقول : زرنا قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذلك لأنه إنما يزور من يسمعه ويراه ويحس به ويعرفه ويرد عليه ، فالقضية ليست قضية قبر بل هي أكبر من ذلك وأجل وأرفع من أن ينظر إليها من الزاوية القبورية ، فإذا نظرنا إلى القبر فقط دون النظر إلى من فيه وجدنا الأرواح الطاهرة التي تحف به من كل جانب ووجدنا جسراً ملائكياً متصلاً ممتداً من الملأ الأعلى إلى قبر محمد صلى الله عليه وآله وسلم مواكب متصلة لا تنقطع أعدادها وأمدادها لا يحصيها إلا الحق جل جلاله .

روى الدارمي في سننه : حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني خالد هو ابن يزيد عن سعيد هو ابن أبي هلال عن نبيه بن وهب : أن كعباً دخل على عائشة فذكروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال كعب : ما من يوم يطلع إلا نزل سبعون ألفاً من الملائكة حتى يحفوا بقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يضربون بأجنحتهم ويصلون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفاً من الملائكة يزفونه . كذا في سنن الدارمي ج1 ص44) .

قلت : وروى هذا الأثر أيضاً الحافظ إسماعيل القاضي بسنده وهو جيد في المتابعات والشواهد والمناقب وفضائل الأعمال .

وإذا نظرنا ما حول القبر من الروضة التي هي قطعة من الجنة والمنبر الذي نال الشرف الأعلى بالحبيب صلى الله عليه وآله وسلم وسيكون يوم القيامة على حوضه العظيم وإلى الجذع الذي حن إليه حنين الثكلى وسيكون يوم القيامة في جنة الخلد وسط أشجارها ، وقد قيل : إنه دفن في موضعه بالمسجد فلا أظن أن عاقلاً حريصاً على الخير يتوقف عن الدعاء في هذه المواضع .

 

القبر النبوي – والدعاء

ذكر العلماء رضي الله عنهم : أنه يستحب لمن زار النبي صلى الله عليه وسلم أن يقف للدعاء فيسأل الله تعالى ما يشاء من الخير والفضل ولا يلزمه أن يتوجه إلى القبلة ولا يكون في وقوفه ذلك مبتدعاً أو ضالاً أو مشركاً ، وقد نص العلماء على هذا الأمر ، بل قد ذهب بعضهم إلى القول بالاستحباب .

والأصل في هذا الباب هو ما جاء عن الإمام مالك بن أنس لما ناظره أبو جعفر المنصور في المسجد النبوي ، فقال له مالك : يا أمير المؤمنين ! لا ترفع صوتك في هذا المسجد ، فإن الله تعالى أدب قوماً فقال : } لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ { الآية . وقد مدح قوماً فقال : } إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ { الآية . وذم قوماً فقال : } إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ { الآية . وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً ، فاستكان لها أبو جعفر وقال : يا أبا عبد الله ! أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله ، قال الله تعالى : } وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ { الآية .

وهذه القصة رواها القاضي عياض بسنده في كتابه المعروف بـ ((الشفا….

من كتابات سيدى محمد بن علوى المالكى الحسنى رضوان الله عليه وعلى أبائه

 

 

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *