الشفاعة و البركة و الوسيلة

وقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  أن الشهيد يشفع لسبعين من أهل بيته، و العلماء يشفعون أيضا… و هكذا. هذا فضلا عن شفاعة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  العظمى… ومنها ما هو فى الدنيا أيضا ثم الأعظم ما هى يوم القيامة.

تعجب من قولى!! أسألك سؤالا أليس استغفار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  لك و للأمة الآن فى حياته و بعد انتقاله للرفيق الأعلى هو بمثابة الشفاعة لنا عند اللَّه تعالى!!!

و العجيب أن أول عمل نفعله للميت من المسلمين هو أن نصلى عليه… و هل الصلاة على الميت إلا شفاعة له من عموم المسلمين!! ثم تعال معى لتقرأ فى كتاب اللَّه قول سيدنا يوسف (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) يوسف93… يا سبحان اللَّه… أليست هذه بركة و تبركا بقميص يوسف الذى هو أصلا قميص سيدنا إبراهيم عليه السلام… ويرسله سيدنا يوسف إلى من!!! إلى أبيه النبى الكريم… ليكون له بركة وشفاء.

واقرأ أيضا قول السيد المسيح فى القرآن الكريم حيث يقول: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ) مريم31.

تنبه للمعانى… بركة تكون حيث يكون السيد المسيح… هذا قول القرآن الكريم… كذلك يذكر اللَّه تعالى فى سورة مريم كيف أن سيدنا زكريا عليه السلام عندما وجد رزق اللَّه عند مريم من اللَّه تعالى وأدرك أنها مباركة طيبة يقول تعالى )هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء) آل عمران38….

هنالك ظرف زمان و مكان… فى محراب السيدة مريم عليها السلام و عندما و جد رزق اللَّه و البركة عندها… و هو من!!! نبى كريم… يتبارك بمريم ابنة عمران و يدعو اللَّه فى محرابها… ويستجيب اللَّه لدعائه… كما رد بصر يعقوب عليه ببركة قميص يوسف.

كذلك يذكر القرآن الكريم أن بنى إسرائيل كانوا لا يقاتلون إلا إذا جاءهم التابوت فيه سكينة من ربهم وبقية مما ترك آل موسى و هارون تحمله الملائكة… أنظر آثار من “عصا موسى” وبقية من “عمامة هارون” كما قيل تحمله الملائكة… تكريمًا لهذه الآثار… وينصر بنى إسرائيل بوجوده بينهم!!!

أليست هذه كلها بركات و شفاعات للَّه سبحانه و تعالى.

أفى هذا شرك باللَّه جل وعلا!!! أم هو توسل و رجاء إلى اللَّه العظيم بهؤلاء العباد الكرام الصالحين لقربهم من اللَّه تعالى… وليس استغناء عن اللَّه تعالى..

وهنا نأتى إلى أقوال المعارضين الذين خانهم التوفيق فى استدلالاتهم على تحريم التوسل و التبرك.

الآيات التى يستدلون بها منها :

1- (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى…) الزمر3…

2- (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) الأعراف194…

3- (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) الجن18…

أولا :  كل هذه الآيات نزلت فى المشركين والكفار عبدة الأوثان… وقد أجمع الصحابة رضوان اللَّه عليهم وكذلك التابعون على عدم جواز الاستدلال بالآيات التى نزلت فى الكفار على ما يفعله المسلمون… و هكذا قال بن عباس رضى اللَّه عنه.

ثانيا :  أنظر إلى نص الآيات… يدعون من دون اللَّه… فهم لا يدعون باللَّه أو للَّه… وكذلك ما نعبدهم إلا ليقربونا… أنظر إلى نعبدهم.

فالكفار كانوا يعبدون من دون اللَّه… و يدعون من دون اللَّه… و ينذرون لغير اللَّه… هذا أمر، و ما يقوم به المسلمون شيئ آخر، فالمسلم يدعو باللَّه، وليس من دون اللَّه، و لا يعبد إلا اللَّه، ولا ينذر إلا للَّه تعالى، أما من يتوسل إلى اللَّه بهم فهذه ليست عبادة… و أن يدعو اللَّه بهم فليس استغناء عن اللَّه سبحانه… ولكن توسلا ببركتهم و قربهم من اللَّه تعالى.

فالمسلم فى جميع أحواله لا يدعو إلا اللَّه، ولا يرجو إلا اللَّه، ولا ينذر إلا للَّه… حتى وإن سبق لسانه فنذر لخلق من خلق اللَّه فهذه زلة لسان و هو بنيته و قصده ليست إلا أن النذر للَّه وحده… وتحديد المكان والزمان هو عند فلان أو فلانة من خلق اللَّه، فالنذر للَّه… و دعاؤه للَّه و باللَّه… و عبادته للَّه وحده.

المسلم يا عباد اللَّه لا يدعو مع اللَّه أحدًا أبدًا أبدًا… ولكنه يدعو باللَّه تعالى و ليس مع اللَّه… فرق كبير لمن يفهم.

و فرق كبير بين ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى و بين ما نحبهم إلا ليقربونا إلى اللَّه… باب الحب غير باب العبادة… العبادة فيها شرك… والحب فيه توسل و رجاء فافهم

والقول الكريم (فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) الجن18… نعم لا تدع مع اللَّه سبحانه أى لا تجعل للَّه ندا ولا شريكا… وليس فيها منع من الدعاء باللَّه تعالى.

و قوله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) البقرة186… فصدق اللَّه وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم … اللَّه قريب من عباده… فهو الذى يحييهم و يميتهم ويرزقهم ويشفيهم… ومن غيره سبحانه!!

ولكن العبد يكون قربه وبعده عن اللَّه بمقدار أفعاله من حسنات وسيئات… (إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) الأعراف56… كما قال اللَّه تعالى… والذنوب والعياذ باللَّه تبعد الإنسان عن ربه وتكون حائلا بينه وبين استجابة الدعاء.

فالناس درجات عند اللَّه فى قربهم وبعدهم… وليس اللَّه بعيدا عنهم فافهم الفارق بين المعنيين… فهو أقرب إليك من حبل الوريد… فكيف يكون بعيدا عنك!!! إنما القرب والبعد منك أنت بطاعتك وذنوبك…

يقول إخوة يوسف لأبيهم: (قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ) يوسف97… ويرد عليهم أبوهم ويقول  (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) يوسف98… وما نهاهم ولا قال لهم استغفروا اللَّه أنتم بأنفسكم فاللَّه ليس ببعيد و لاينفع استغفارى لكم!!

هذه الاعتراضات على التوسل و التبرك و الشفاعة و الوسيلة يرددها الجهال المستعلمون… الذين لا يفرقون بين دقائق التعبير…

و لنا فى أفعال الصحابة أيضا مثل لهذا..

عمر بن الخطاب يستسقى… و ليس برسول اللَّه بل بعم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ورضى اللَّه عنهم أجمعين.

لا أدرى كيف فهم الناس هذا الحدث!!! و يقولون أنها دليل على عدم جواز التوسل بالأموات!!!!!!!

هذا الكلام العجيب العارى من الأدب والإيمان…

أمات رسول اللَّه كما يموت كل بَشَرِىْ!!! أيُحْسَبُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  فى الأموات!!

أهذا هو الأدب مع رسول اللَّه الذى يقول عن عبد اللَّه بن مسعود عن النبى صلى الله عليه وسلم  قال: “حياتى خير لكم تحدثون و يُحدث لكم، و وفاتى خير لكم تعرض على أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه و ما رأيت من شر استغفرت اللَّه لكم”!!. رواه البزار و رجاله رجال الصحيح. و ابن سعد عن بكر بن عبد الله مرسلاً.

رسول اللَّه يرى سيدنا موسى قائمًا يصلى فى قبره!!

رسول اللَّه يرى صالح وهود يحجان البيت الحرام على حمارين أشهبين!!

أما فى نظرهم واعتقادهم أن رسولنا بالذات لا يصل إلى هذه الدرجة!!!!!

أهذا إيمانهم وإعتقادهم فى إمام الرسل وسيد الخلق أجمعين!!!!!

يقول اللَّه تعالى أن الشهداء أحياء عند ربهم ويرزقون أيضا… ورسول اللَّه ميت مثل عامة البشر!!! نبى اللَّه ورسول اللَّه وحبيب اللَّه وإمام الأنبياء والمرسلين وسيد ولد آدم لم يصل عندهم إلى مرتبة الشهداء!! هذا كلام ناقصى العلم والإيمان المُخَلِّطين فى المعانى فيفهمون الآيات والأحاديث على أهواءهم و عمى بصائرهم…

ونحن نقول أن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه وأرضاه إنما أراد أن يظهر للمسلمين فضل ودرجة آل بيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم … فلم يستسق برسول اللَّه لأن هذا أمر مقدر ومنتهٍ فى حياة رسول اللَّه فلا يحتاج إلى تعليم أو تأكيد… ولكنْ استسقاؤه بالعباس وآل البيت ليؤكد للمسلمين مشروعية التوسل والاستسقاء وما شابه ذلك بآل بيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم … ورضى اللَّه عن ابن عمر الذى كان يقبل يدى ابن عباس ويقول هكذا أمرنا رسول اللَّه أن نفعل بآل البيت…

أما المعترضون على هذه المفاهيم و الزاعمين أنهم دعاة التوحيد فإنهم قد استقوا مفاهيمهم من أعداء الإسلام المستترين الذين يتزينون بلباس الحرص على الإسلام والتوحيد الخالص هدما مخفيا للإيمان الحق والدين القويم… ويفتنون بعض مغرورى علماء المسلمين باسم التجديد والعقلانية فى الدين ويدعمونهم أيضا بأساليب الإغراء المادى والمعنوى… لنشر و ترديد كلامهم…

فالمرددون لمثل هذه الاعتراضات صِنْفَان… الأول جاهل مستعلم ونِيَّتُهُ وحِسَابُه عند اللَّه… والثانى مغرض آثم اشترى دنياه بآخرته ليتبوأ منصبًا أو مقامًا أو دنيًا عند من بيده هذه الأمور و لا يقصد أبدًا وجه اللَّه.

و لتتأكد من قولى هذا… فانظر إلى هؤلاء الزاعمين أنهم دعاة التوحيد تجد فيهم جميعا على كافة طوائفهم الشدة والغلظة و كثرة السُباب لمن يخالفهم بل قد يكفرونهم أيضا وهذه ليست صفات الداعين بالحق إلى اللَّه تعالى.

اللَّهم إنى أبرأُ إليك من أقوالهم و أفعالهم و إيمانهم المريض.

اللَّهم إنى عبدك الفقير إليك المقصر لديك الجاهل بقدرك العظيم مهما عبدتك وسجدت وركعت لك فأستشفع إليك وأتوسل إليك بعظمتك وقدرتك وأعوذ برضاك من سخطتك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك سبحانك لا أحصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك.

و أستشفع و أتوسل إليك بجاه وبركة رسولك وحبيبك ونبيك سيدنا محمد، وأنبيائك، ورسلك، و آل البيت المكرمين، وكل صالح من خلقك تقبل شفاعته بإذنك وكرمك يا كريم

يا حنان و الأمر كله منك و إليك يا رفيع الشان يا عظيم السلطان.

وصل اللَّهم وسلم على حبيبك وآله وصحبه والتابعين وعباد اللَّه الصالحين ونحن معهم يا أكرم الأكرمين.

للمزيد أنظر كتاب محمد مشكاة الأنوار لمولانا الشيخ صلاح الدين القوصي هنـــــــــــــــــــــــا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *