إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله

فبالله أليس هذا هو عين الإرشاد إلى التوسل والوسيلة لأن السائل للمخلوق إنما هو في الحقيقة سائل لله تعالى ظاهراً وباطناً أما الظاهر فبلسان المقال والباطن بلسان الحال لأنك تعرف أن الوجود كله على زوجين ومنه الظاهر والباطن ومنه قولنا على المقابلة والمماثلة وهذا هو الحق والتحقيق ونضرب لك مثلاً ليستنير لك الحال ويتضح لك المقال. وذلك كحال من به علة مرض، فلا يسعه إلا أن يذهب إلى الطبيب ليسأله عن العلة، فلسان الحال الذهاب إليه ولسان المقال الشكاية وبيان العلة له وهذا ليس بحرام ولا منتقد ولا عيب فيه، بل هو واجب بالفطرة التي فطر الله الناس عليه. بل يقول المريض ومن معه مبتهلاً اللهم اجعل في يده الشفاء وألهمه الصواب ووفقه لمعرفة الداء.

والحديث كان في صدر الإسلام وقد كانوا قريبي عهد بكفر، فهم في أشد الحاجة إلى توجيههم إلى فاعل الكائنات والمكونات ظاهراً وباطناً سبحانه وتعالى. وكانت مخالطتهم للأعمال الدنيوية أشد لما فيها من المنافع العائدةعلى حياتهم وذويهم وما يترتب عليه، حسن المثوبة الأخروية فكان المراد والغرض من ارشاده الشريف صلى الله عليه وسلم للعباد، ليعرفوا أن جميع الأقوال والأفعال والحركة والسكون منه سبحانه وتعالى . ولا تنسى أن مستعمل الدواء عند تعاطيه يقول اللهم اشفني أو بسم الله الشافي، فالغرض المداومة على تعليق قلبه بمن هو شأنه كذلك سبحانه وتعالى لمداومة التوفيق والهداية لمرضاته،

وأما ما فهمه البعض في الحديث بأن الغرض منه صرف العبد عن مكونات الحق عز وجل، فهو من الخرافة بمكان، لما يترتب على ذلك من تعارض الآيات بعضها بعضاً، وكذلك السنة على مقتضى أفهامهم الفاسدة وأباطيلهم الكاسدة وإليك شيئاً من الآيات الكريمة التي قص علينا سبحانه وتعالى ليعلمنا أسراره في مكوناته بقوله تعالى: ﴿والله خلقكم وما تعلمون﴾ ﴿هو الذي يسيركم في البر والبحر﴾. ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ هذه تدل على أنه هو الفعال وهو الحق. فكيف بهذا مع قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾. ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء﴾ وهكذا من جميع الآيات التي ذكر الحق عز وجل بنسبة الأعمال للعباد وها هي الآية الجامعة وهي قوله تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ فكيف بهذه مع قوله تعالى ﴿فعال لما يريد﴾ ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ وكيف بذلك كله مع توجيه الله عز وجل عباده ولفت النظر إلى مكوناته من أخذ الأمور من أسبابها كقوله تعالى ﴿واسألوا الله من فضله﴾ قال العلامة البيضاوي وعليه جميع عقلاء الأمة المفسرين للقرآن المجيد أي مما قربه إليكم وجعله بين أيديكم. وعليه فالأخذ بالأسباب حتم لازم من هذه الموجودات. وهي الوسائل للحق عز وجل خصوصاً وقد نوع الله سبحانه الأسباب وقال: ﴿وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين﴾ وقال تعالى ﴿حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ وقال تعالى: ﴿حرض المؤمنين على القتال﴾ وقال تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم﴾ وقال تعالى ﴿ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ على أن الحديث الذي لم يفهموا له معنى آخره يغطي نفع العباد وضرهم ببعض.

فالحديث يحث على الأخذ بالأسباب ومعناه إذا سألت مخلوقاً فلا تنسى الخالق، لأنه هو الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو الخالق لك ولمن يستعين به والآيات والأحاديث لا تُعطي إلا ذلك المعنى لأنه لا يعقل التوجه إلى الله إلا بالأخذ في الأسباب، وجميع بيانات السنة لا تعقل إلا كذلك فكيف يفهمها قاصروا الذهن بهذا المعنى مع قوله صلى الله عليه وسلم: (دع الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض) وهكذا جميع بيانات السنة وما ورد فيها من أنواع التوسل والوسيلة التي لا تكاد تقف عند حد من توسلاته الشريفة صلى الله عليه وسلم بأنواع نعم الله عز وجل ومن النعمة الزمان والمكان من الموجودات كما سيأتي من بعض ما ورد عنه في صحيح السنة صلوات الله تعالى وسلامه عليه.

في قصرهم الوسيلة
على أنواع العبادات

فانظر يا أخي: فلست أدري من أين لهم قصرهم الوسيلة على العبادة فحسـب بعد اطلاق الحق عز وجل في قوله تعالى بعد أمره لعباده بالتقوى وملازمتهم لها لا ينسوا الوسيلة ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ وقد عرفهم بأنهم في دنيا الأسباب التي لا يتأتي فيها حصول شيء إلا بالأسباب، وكل الأسباب والمسببات من نعمه تعالى وعظيم قدرته وبديع صنعته، وأمرهم بأن يأخذوا بها ويعملوا ببيانه الحكيم وإرشاد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فلست أدري ما حقيق عقول هؤلاء الذين لا يفقهون ولا يتفقهون ويقولون: قال الله تعالى ﴿ادعوني استجب لكم﴾ أليس قول عز من قائل ادعوني هو عين الوسيلة إليه جل وعلا (وإذا سألت فاسأل الله) الحديث هو عين الوسيلة، لأن الدعاء والسؤال هو عين الوسيلة لمن ترجو منه حـاجتك وهـو الدين. وقد قدمنا من تفسـير الكشاف وقال العلامة أبوحيان في تفسيره البحر وكذا تفسـير النهر: الوسيلة القربة التي ينبغي أن يطلب بها أو الحاجة أو الطاعة أو الجنة أو أفضل درجاته. فكيف يقصرها على العبادة فكأن الرغيف من الخبز الذي يعيش به، والماء ليس بوسيلة. وقد قال الإمام الفخر: اعلم أن مجامع التكليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما أحدهما: ترك المنهيات وإليه الإشارة بقوله تعالى ﴿اتقوا الله﴾ وثانيهما: فعل المأمورات وإليه الإشارة بقوله تعالى ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ ولما كان ترك المنهيات مقدماً على فعل المأمورات بالذات لا جرَمَ قدمه تعالى عليه في الذكر، وإنما قلنا أن الترك مقدم على الفعل لأن الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصلي والفعل هو الإيقاع والتحصيل، ولا شك أن عدم جميع المحدثات سابق على وجوده. فكانت تركاً قبل الفعل لا محالة. فإن قيل: ولم جعلت الوسيلة مخصوصة بالفعل مع أنا نعلم أن ترك المعاصي قد يتوسل به إلى الله تعالى؟ قلنا الترك ابقاء الشيء على عدمه الأصلي وذلك المقدم المستمر لا يمكن التوسل به إلى الشيء البتة فثبت أن الترك لا يمكن أن يكون وسيلة بل من دعاة داعي الشهوة إلى فعل قبيح ثم تركه لمطلب مرضاة الله تعالى فها هنا يحصل التوسل بذلك الامتناع إلى الله تعالى إلا أن ذلك الامتناع من باب الأفعال ولهذا قال المحققون ترك الشيء عبارة عن فعل ضده كما وقع في حديث الثلاثة الذين أووا غاراً: يرويه أصحاب السنن والمسانيد.

إذا عرفت هذا فنقول: إن الترك والفعل أمران معتبران في ظاهر الأفعال، فالذي يجب تركه هو المحرمات، والذي يجب فعله هو الواجبات. ومعتبران أيضاً في الأخلاق فالذي يجب حصوله هو الأخلاق الفاضلة، والذي يجب تركه هو الأخلاق الذميمة.

ومعتبران أيضاً في الأفكار، فالذي يجب فعله هو التفكير في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة والمعاد والذي يجب تركه هو الالتفات إلى الشبهات. ومعتبران أيضاً في مقام التحلي فالفعل هو الاستغراق في الله تعالى وأهل الرياضة يسمون الفعل والترك بالتحلية والتخلية وبالمحو والصحو وبالنفي والإثبات وبالفناء والبقاء، وفي جميع المقامات النفي مقدم على الإثبات، ولذلك كان قولنا لا إله إلا الله النفي مقدم فيه على الإثبات والوسيلة فعليه، من وصل إليه إذا تقرب إليه. قال لبيد الشاعر:

أرى الناس لا يدرون ما قدر أمورهم ** إلا كل ذي لب إلــى الله واسل

أي متوسل. فالوسيلة هي التي يتوسل بها إلى المقصود أ هـ منه.

وقال العلامة الألوسي في تفسيره: الوسيلة ملاك الأمر كله، فهي الذريعة لكل خير والمنجاة من كل ضير، وأخرج ابن الأنباري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الوسيلة الحاجة وأنشد له قول عنترة:

إن الرجال لهم إليك وسيلـة ** أن يأخذوك تكحلي وتخضبـي

فكيف بعد هذا الذي ظهر من بيان عقلاء المسلمين في معنى تعميم الحق عز وجل لأنواع الوسيلة يقصرونها هم على أنها بمعنى العبادة فقط. ما هو إلا تعصب وجهالة، خصوصاً قولهم لا توسل وأن الله ليس في احتياج إلى الوسيلة وغاية أمرهم انكارهم على المتوسلين بعباد الله الصالحين ولم يفطنوا لقول رب العالمين ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾ فلم يعب الحق عز وجل عليهم الوسيلة بالغائب المنتظر بل عاب عليهم في إنكارهم عليه وعدم الإيمان به صلى الله عليه وسلم أو لم يقرأوا قوله تعالى ﴿ألم تر إلى الملأ من بني اسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملك﴾ الآيات، إذا الجماعات من بني اسرائيل لما سألوا نبيهم هل كفروا على زعمهم الباطل.

سيدي فخر الدين الشيخ محمد عثمان البرهاني

 

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *