ليس كل مصل متعبد، ولا كل صائم بزاهد، ولا كل باك بخاشع، ولا كل متصوف بصاف

وَما كُلُ دارٍ قَفَرَةٍ دارةُ الحُمى … وَلا كُلُّ بَيضاءَ التَرائِبِ زَينَبُ

ذهب أهل التحقيق، وبقيت بنيات الطريق، واعجبا!! لقد رحل القوم، وتخلف أهل السنة والنوم، خلت البقاع من الأحباب، وتبدلت العمارة بالخراب.

يا دِيارَ الأَحبابِ عِندَكِ خُبرٌ … أَين ساروا وَهَل لَهُم مُستَقَرُ

كان المشايخ في قديم الزمان أصحاب قدم، والمريدون أرباب ألم، فذهب القدم والألم، كان المريد يسأل عن غصة، والشيخ يعرف القصة، واليوم لا قصة ولا غصة، كان الصوفية قديما يسخرون بالشيطان، والآن يسخر الشيطان بالقوم. كان الزهد في بواطن القلوب، فصار في ظواهر الثياب.

سَلامٌ عَلى تِلكَ الخَلائِق إِنّها … مُسلَّمَةٌ مِن كُلِ عَيبٍ ومأَثَمِ

ويحك: صوّف قلبك لا جسمك، وأصلح نيتك لا مرقعتك، إذا كان العلوي ثابت النسب لم يحتج إلى ضفيرتين، أَتحدوا ومالك بعير؟ أتمد قوسا ومالها وتر؟ تتجشأ من غير شبع؟ واعجبا!! من وحمى بلا حبل. إن لم تكن ” يعقوب ” الأمل، فلا تكن ” زليخا ” الهوى. واأسفا لقلوب أذابها حب الدنيا، ولأسماع آمالها ” حديث خرافة، يتلاعب بها الغرور في بحر الهوى تلاعب الموج بالفريق.

صح بالمنقطعين في بوادي الغفلة؛ ترى أي ذنب اقتطعهم. أين تعبّد ” السري ” ؟ أين جد ” الجنيد ” ؟ أين مجاهدة ” أبي يزيد ” ؟ أين جوع ” الشبليط؟ يا راضيا بصفة ” ابن أدهم ” أين عزم ” إبراهيم ” ؟.
أما الخيام فإنها كخيامهم.
انكسر مغزل ” رابعة ” وبقي قطن ” الحلاج ” .
لم تبق إلا روايات وأخبار

أَيُها الحادي بأحداج الجَمالِ … لا تَنُخ بِالرَبعِ إِنَّ الرَبعَ خالي
ما عَسى أن تَرتَجي مَن دِمَنٍ … أَقَفرتَ مِن أَهلِها فَهي خَوالي
قَد عَفَت أَطلالُها وَاندَرستَّ … قِف بِنا نَبكي لأَطلالٍ بِوَالي
لَهفَ نَفسي لِليالٍ سَلَفَت … آَهٍ هَل تَرجَعُ لي تِلكَ اللَيالي
لا تَقُل لي: بِمِنَى تُعَطَ المُنى … بِمِنىَّ كانَ مِِنَ القَومِ اِنفِصالي

 

 وقت العارف جد كله، لعلمه بشرف الزمان، والنهار مطالب بحق الملك، والليل يقتضي دين الحب، فلا وجه للراحة.
لما عاينت أبصار البصائر ” يوسف ” العواقب، قطعت أيدي الهوى بسكين الشوق، فولوج الجمل في سم الخياط، أسهل من دخول اللوم في تلك الأسماع، فإذا حان حين الحين فرح سائر الليل بقطع المنزل، وصاحت ألسنة الجد بالعاذلين (فَذَلِكُنّ الَّذي لُمتُنَني فيه).
قُلوبٌ أَبَت أَن تَعرِفَ الصَبرَ عَنهُم… أَثمانُ المَعالي غالِيَةً فَكيفَ يَستامها مفلس
وَكَيف يُنالُ المَجدُ وَالجِسمُ وادِعُ … وَكَيفَ يُحازُ الحَمدُ وَالوَفرُ وافِرُ
كلما تعاظمت الهمم تصاغرت الجثث.

وَلَستَ تَرى الأَجسامَ وَهي ضَيئلَةٌ … نواحِلُ إِلا وَالنُفوسُ كِبارُ

قال ” يحيى بن معاذ ” : لتكن الخلوة بيتك، والمناجاة حديثك، فإما أن تموت بدائك، أو تصل إلى دوائك.

لا تَزل بي عَنِ العَقيقِ فَفَيهِ … وَطَري إِن قَضيتُهُ أو نَحبي
لا رَعيتُ السُّوامَ إِن قُلتُ لِلصُحبَةِ خِفّي عَني وَلَلعينُ هُبّي

دخلوا على ” أبي بكر النهشلي ” وهو في السوق يركع ويسجد، ودخلوا على ” الجنيد ” وهو في النزع وهو يصلي، فسلموا عليه، فرد السلام وقال: هذا وقت يؤخذ منه: الله أكبر.

إذا اِشتَغَلَ اللاهونَ عَنكَ بِشُغلِهِم … جَعلتُ اِشتِغالي فيكَ يا مُنتهى شُغُلي
فَمَن لي بِأَن أَلقاكَ في كُلِ ساعَةٍ … وَمَن لي بِاَن أَلقاكَ وَالكُلُ بي مِن لي

دارت قلوبهم من الخوف دوران الكرة تحت الصولجان، فلعبت بها أكف الأشجان في فلوات المحبة، فمن بين سكران يبث، وبين منبسط يقول، وبين خائف يستجير.

إذا لَعِبَ الرِجالُ بِكُلِ فَنٍّ … رَأَيتَ الحُبَّ يَلعَبُ بالرِجالِ

نجائب أبدانهم أنضاها سير الرياضة، تجوهرت أرواحهم في بوتقة الجسم، فترافقا في سفر الشوق، فاللسان مشغول بالذكر، والسر مغلوب بالوجد، والعين عبرى بالخوف، والنفس هاربة إلى دار الزهد.

إِنَما أَهرُبُ مِما … حَلَّ بي مِنكَ إِليكَ
أَنتَ لَو تَطلُب رَوحي قُلتُ هاخُذها إٍليك

كان الحسن كأنه حديث عهد بمصيبة، وكان ” مالك بن دينار ” قد سوّد طريق الدمع في خده.

وَمَن لُبُّهُ مَعَ غَيرِهِ كَيفَ حالُهُ … وَمَن سَرَّهُ في جَفنِهِ كَيفَ يُكتَمُ؟

اللطائف لابن الجوزي

الفصل الثامن والثلاثون في صدق العبادة
الفصل الثالث والأربعون صفات العابدين

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *