النفس والروح

وعن وجود الأنفس قبل ميلاد أصحابها يقول الله: إنه أخذ الذرية من ظهور الآباء قبل أن تولد و أشهدها على ربوبيته حتى لا يتعلل أحد بأنه كفر لأنه وجد أباه على الكفر. ((و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل و كنا ذريةً من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون، و كذلك نفصل الآيات و لعلهم يرجعون)) (172، 173، 174 – الأعراف)

فذلك مشهد أحضرت فيه الأنفس قبل أن تلابس أجسادها بالميلاد، وليس لأحد عذر بأن يكفر بعلة كفر أبيه، فقد كان لكل نفس مشهد مستقل طالعت فيه الربوبية.. و بهذا استقرت حقيقة الربوبية فطرتنا جميعاً. ثم إن الروح لا توسوس، و لا تشتهي و لا تهوى و لا تضجر و لا تمل و لا تتعذب، و لا تعاني هبوطا و لا انتكاسا. إنما تلك كلها من أحوال النفس و ليس الروح. يقول القرآن: ((فطوعت له نفسه قتل أخيه)) (30 – المائدة) ((و لقد خلقنا الإنسان و نعلم ما توسوس به نفسه)) (16 – ق) ((و نفس و ما سواها، فألهمها فجورها و تقواها)) (7، 8 – الشمس) ((بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل)) (18 – يوسف) ((و ضاقت عليهم أنفسهم و ظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه)) (118 – التوبة) ((إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا و تزهق أنفسهم)) (55 – التوبة) ((و من يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه)) (130 – البقرة) ((و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)) (9 – الحشر) ((و أحضرت الأنفس الشح) (128 – النساء) ((و ما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء)) (53 – يوسف) فالنفس هي المتهمة في القرآن بالشح و الوسواس و الفجور و الطبيعة الأمارة، و للنفس في القرآن ترق و عروج، فهي يمكن أن تتزكى و تتطهر، فتوصف بأنها لوامة و ملهمة و مطمئنة و راضية و مرضية. ((يأيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، و ادخلي جنتي)) (27 – 30 الفجر) أما الروح في القرآن فتذكر دائما بدرجة عالية من التقديس و التنزيه و التشريف، و لا يذكر لها أحوال من عذاب أو هوى أو شهوة أو شوق أو تطهر أو تدنس أو رفعة أو هبوط أو ضجر أو ملل، و لا يذكر أنها تخرج من الجسد أو أنها تذوق الموت.. و لا تنسب إلى الإنسان و إنما تأتي دائما منسوبة إلى الله. يقول الله عن مريم: ((فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا)) (17 – مريم) و يقول عن آدم: ((فإذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)) (29 – الحجر) يقول ((روحي)) و لا يقول روح آدم. فينسب ربنا الروح لنفسه دائما. ((و أيدهم بروح منه)) أي من الله (22 – المجادلة) و يقول عن القرآن و نزوله على النبي عليه الصلاة و السلام: ((و كذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا)) (52 – الشورى) و يقصد بالروح هنا الكلم الإلهي القرآني. ((يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق)) (15 – غافر) ((ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده)) (2 – النحل) و الروح هنا هي الكلمة الإلهية و الأمر الإلهي. و الروح دائما تنسب إلى الله، و هي دائما في حركة من الله و إلى الله و لا تجري عليها الأحوال الإنسانية و لا الصفات البشرية.. و لا يمكن أن تكون محلا لشهوة أو هوى أو شوق أو عذاب. و لهذا توصف الروح بأوصاف عالية. فيقول القرآن عن جبريل: إنه روح القدس.. و الروح الأمين. و يقول عن عيسى إنه ((رسول الله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه)) أي روح من الله (171 – النساء) أما النفس فهي دائما تنسب إلى صاحبها. ((و ما أصابك من سيئة فمن نفسك)) (79 – النساء) ((و من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه)) (15 – الإسراء) ((و ضاقت عليهم أنفسهم)) (118 – التوبة) ((و ما أبرئ نفسي)) (54 – يوسف) ((و كذلك سولت لي نفسي)) (96 – طه) ((و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)) (9 – الحشر) ((و من يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه)) 130 – البقرة) و حينما تنسب النفس إلى الله فتلك هي الذات الإلهية. ((و يحذركم الله نفسه)) (28 – آل عمران) ذلك هو الله ليس كمثله شيئ و هو مما لا يستطيع الإنسان أن يتخيل له شبيها و لا يصح أن نقيس النفس الإلهية على نفوسنا.. فالنفس الإلهية هي غيب الغيب. يقول عيسى لربه يوم القيامة: ((تعلم ما في نفسي و لا أعلم ما في نفسك)) (116 – المائدة) فالنفس الإلهية لا تتشابه مع النفس الإنسانية إلا في اللفظ و لكنها شيء آخر البتة.. ((ليس كمثله شيء)) (11 – الشورى) ((لم يكن له كفوا أحد)) (4 – الإخلاص) و السؤال إذن: ما نصيب كل منا من الروح؟ و ماذا نعني حينما نقول إن لنا روحا و جسدا؟ ثم ما علاقة نفس كل منا بروحه و جسده؟ أما نصيبنا من الروح فهو النفخة التي ذكرها القرآن في قصة خلق آدم. ((إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته و نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)) (71، 72 – ص) وما حدث من أمر التسوية و التصوير و النفخ في صورة آدم يعود فيتكرر في داخل الرحم في الحياة الجنينية لكل منا.. فيكون لكل منا تسوية و تصوير، ثم نفخة ربانية حتى تتهيأ الأنسجة و يستعد المحل لتلقي هذه النفخة، و ذلك يكون في الشهر الثالث من الحياة الجنينية، و ينتقل الخلق بهذه النفخة من حال إلى حال.. يقول ربنا عن هذه المراحل: ((ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين)) (14 – المؤمنون) فيقول عند النفخة: ((ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين)).. إشارة إلى نقلة هائلة نقل بها المضغة المكسوة بالعظام إلى مستوى لا يبلغه و لا يقدر عليه إلا أحسن الخالقين.. و ذلك بالنفخة الربانية. و يتكلم عن هذا النفخ في الجنين بعد تسويته في آية أخرى عن نسل آدم. ((ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه و نفخ فيه من روحه و جعل لكم السمع و الأبصار و الأفئدة)) (8، 9 – السجدة) و نفهم من هذا أن السمع و البصر و الفؤاد هي من ثمار هذه النفخة الروحية.. و إنه بهذه المواهب ينقل الإنسان من نشأة إلى نشأة و من مستوى إلى مستوى، و هذا هو معنى.. ((ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين)). إن نصيبنا من هذه الروح إذن هو نصيبنا من هذه النفخة.. و كل منا يأخذ من هذه النفخة على قدر استعداده. و بفضل هذه النفخة يصبح للواحد منا خيال و ضمير و قيم و عالم من المثل.. و الجسد و الروح فينا أشبه بأرض الواقع و سماء المثال. و علاقة نفس كل منا بروحه و جسده هي أشبه بعلاقة ذرة الحديد بالمجال المغناطيسي ذي القطبين. و الذي يحدث للنفس دائما هو حالة استقطاب، إما انجذاب و هبوط إلى الجسد، إلى حمأة الواقع و طين الغرائز و الشهوات، و هذا هو ما يحدث للنفس الجسدانية الحيوانية حينما تشاكل الطين و تجانس التراب في كثافتها، و إما انجذاب و صعود إلى الروح، إلى سماوات المثال و القيم و الأخلاق الربانية، و هو ما يحدث للنفس حينما تشاكل الروح و تجانسها في لطفها و شفافيتها.. و النفس طوال الحياة في حركة و تذبذب و استقطاب بين القطب الروحي و بين القطب الجسدي.. مرة تطغى عليها ناريتها و طينتها، و مرة تغلبها شفافيتها و طهارتها. و الجسد و الروح هما مجال الامتحان و الابتلاء، فتبتلى النفس و تمتحن بهاتين القوتين الجاذبتين إلى أسفل و إلى أعلى لتخرج سرها، و تفصح عن حقيقتها و رتبتها و ليظهر خيرها و شرها. و من هنا نفهم أن حقيقة الإنسان هي((نفسه))، و الذي يولد و يبعث و يحاسب هو نفسه، و الذي يمتحن و يبتلى هو نفسه، و ما يجري عليه من الأحوال و الأحزان و الأشواق هي نفسه.. أما جسده و روحه فهما مجرد مجال تماما مثل الأرض و السماوات في كونهما مجال حركة بالنسبة للإنسان لإظهار مواهبه و ملكاته.. فكما أعطى الله لهذه النفس عضلات (جسدا) كذلك أعطاها روحا لتحيا، و تعمل و تكشف عن سرها و مكنونها و تباشر خيرها و شرها. و بهذا المعنى تكون كلمة ((تحضير الأرواح)) كلمة خاطئة، فالأرواح لا تستحضر، و لا يمكن لأي روح أن تستحضر، لأن الروح نور منسوب إلى الله وحده، و هو ينفخ فينا هذا النور لنستنير به.. و هذا النور من الله و إلى الله يعود و لا يمكن حشره أو استحضاره.. أما ما يحشر و يستحضر فهي الأنفس و ليس الأرواح.. هذا إذا صح أن هؤلاء الناس يستحضرون أنفسا في جلساتهم.. و أغلب الظن أن ما يحضر يكون من الجن المصاحب لهذه الأنفس في حياتها (القرناء)، و كل منا له في حياته قرين من الجن يصاحبه، و هو بحكم هذه الصحبة الطويلة يعرف أسراره و يستطيع أن يقلد صوته و إمضاءه، و هذا الجن هو الذي يلابس الوسيط في غرفة التحضير المظلمة، و يدهش الموجودين بما يحسبونه خوارق. أما الأرواح فلا يمكن استحضارها. أما الأنفس فلا يحشرها و لا يحضرها إلا ربها. و النفس لا يمكن أن تتحول إلى روح، و إنما هي في أحسن أحوالها ترتقي حتى تشاكل الروح و تجانسها بقدر ما تتخلق بالأخلاق الربانية، و بقدر ما تقترب من المثال النوراني (الروح التي نفخها الله في الإنسان). كذلك يمكن لهذه النفس أن تتدنى و تهبط حتى تشاكل الشياطين، و تجانس إبليس في ناريته. و النفس التي تتطهر و تتزكى حتى تشاكل و تجانس الروح في لطفها هي التي يقربها الله من عرشه يوم القيامة، و هي التي يقول عنها إنها ستكون ((في مقعد صدق عند مليك مقتدر)) (55 – القمر)… لأنها بهذا التطهر و الترقي تصبح نفسا ربانية مكانها إلى جوار الله. أما النفوس المظلمة التي تهبط بفجورها و غلظتها إلى الدرك الشيطاني فهم الذين يقول عنهم ربهم يوم القيامة: ((إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)) (15 – المطففين) و هؤلاء سيكون مكانهم مع النفوس النارية السفلية في قاع الظلمة و الجحيم. أما الروح فلا مكان لها في جنة أو جحيم، و إنما هي نور من نور الله تنسب إليه، و هي منه و لايجري عليها ابتلاء و لا محاسبة و لا معاقبة و لا مكافأة.. و إنما هي المثل الأعلى في الآية: ((و له المثل الأعلى و هو العزيز الحكيم)) (60 – النحل) ((و له المثل الأعلى في السماوات و الأرض و هو العزيز الحكيم)) (27 – الروم) و ذلك عالم المثال النوراني الذي يستمد قدسيته و نورانيته من كونه من الله و من أمر الله. ((و يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا)) (85 – الإسراء)

للدكتور مصطفى محمود

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *