عوالم الغيب والشهادة

عَالَمُ المُلْكِ

هو كل ما تراه وتلمسه بحواسك من نظرٍ وسمعٍ ولمسٍ وغيرهم سواءُ بحواسك المجردة أو باستخدام وسيلة تساعدك.

فالأرض، والجبال، و البحار، والنبات، والحيوان، والجماد، وغيرهم يجمعهم جميعا عَالَمُ المُلْك أو عَالَمُ الشهادة،ولا مانع أن يكون لكلِّ عَالَمٍ منهم قوانينه الخاصة، ولكنهم كُلُّهم جميعا داخل إطار عالم المُلْك.

وفى هذا العالم تجرى أفعال اللَّه تعالى على عباده ابتداءً من تصويرهم، وخلقهم، وإيجادهم، وإعاشتهم واللطف بهم، والهيمنة عليهم، وتسخيرهم، وحفظ قوانينهم وحتى يوم فنائهم.

فعَالَمُ المُلْك هو عَالَم الشهادةِ الذى تجرى فيه وتظهر أفعالُ اللَّه تعالى على عباده، وهذه الأفعال تظهر بمقتضى أسمائه العلية… فبمقتضى إسم اللَّه تعالى الرحيم تظهر الرحمة، وبمقتضى إسم اللَّه تعالى اللطيف يظهر اللطف، وبمقتضى إسمه تعالى الرزاق يجرى الرزق عليهم، وبمقتضى إسمه تعالى المحيى والمميت يظهر إحياؤهم وإماتتهم..

لذلك نقول أن عالم الشهادة هو عالم الأفعال والأسماء الإلاهية أو نقول هى حضرات الأسماء  و الأفعال الإلاهية.

وكل إسمٍ من أسماء اللَّه تعالى له حضرته التى تتجلى على الناس أفعالُ اللَّه فيهم بمقتضى هذا الإسم وخصائصه، فترى قوما يضحكون ويرقصون، وقوما ينوحون ويبكون، وقوما يأكلون وبشربون فى سعة، وقوما فى مجاعة وضنك، وقوما يموتون موتا جماعيا فى كوارث، وهكذا… كل قوم تحت قهرِ سلطانِ إسم من أسماء اللَّه تعالى وأفعاله.

وكل قوم فى حضرة، وكل حضرةٍ لها إسمٌ من أسماء اللَّه، وكل إسمٍ يجرى منه ما يناسبه من أفعال… والله تعالى هو القاهر فوق عباده جميعا، وهو الفعال فيهم لما يريد جَلَّ شانه.

وتلاحظ أن كل موجود فى هذه العوالم من عوالم الملك والشهادة له نَفْس.

فكل حيوانٍ له نَفْس، وكل إنسانٍ له نَفْس، وكل جمادٍ له نَفْس، وكل نباتٍ له نَفْس.

وهذه النفْسُ هى التى تُدَبِّرُ له سبيل معيشته فى هذا العالم، “أعطى كل شئ خَلْقه ثم هدى”…

فالطفل بل وكل حيوان مولود يلقم ثدى الأم عقب الولادة دون تعليم من بشر، والرياحُ تلقحُ النبات، والبحارُ فيها الجزْر والمَدُّ، والأرض فيها البراكينُ والزلازلُ، والأفلاكُ لها مساراتٌ تَسْبَحُ فيها، والأرض والسموات قالتا للَّه تعالى ” أتينا طائعين “، والجبال أَوَّبَتْ مع سيدنا داود عليه السلام، ويسبِّح  الرعد بحمده، “وقيل يا أرض ابلعى ماءك ويا سماء أقلعى”

فكل هذه المخلوقات لها كيانٌ ووجود، ثم لها أنفس أيضا تناسب ما خُلقت له، وما كُلِّفَتْ به.

إذاً نقول أن عَالَم الملك أو عَالَم الشهادة أو عَالَم الأفعال والأسماء هو أيضا عَالَمُ الأنفس والأبدان، وهو أيضا حضرة الرُّبُوبِيَّة التى يربِّى اللَّه تعالى عبيده فيها، فيوجدهم وَيُقِيتُهُم ثم يُفْنيهم.

ومعنى هذا أن حضرات الأسماء الإلاهية وما ينتج عنها من أفعال فى الكون هى المتصرفة فى الحقيقة فى عالم الملك والشهادة، وهو أيضا عَالَمُ الأنفس والأبدان.

عالم الجبروت :

هو الجزء الأدنى للبشر من عوالم الملكوت…. وهو يشتمل على عوالم كثيرة.

ويمكن تعريفه بأنه عالم تجلِّيات صفات اللَّه تعالى وما
تقتضيه من تدبيرات إِلهِيَّةٍ ومُدَبِّراتٍ كُلِّيةٍ لِهذِه التَجَلِّيات والتى تظهر آثارها ونتائجها فى عوالم المُلْكِ والشهادة..

وكل صفة من صفاته تعالى لها حضرتها.. وجنودها.. وتجلياتها.. ونورها… وحُضّارُها.. وذوقها.. وأدبها.. وأثرها فى الكون.. وقوانينها الخاصة بها.

وفيها ينعدم الزمان والمكان المعروفان لدينا، وفيها تُعرف أسرار سريان القدرة الإلاهية ومجرى الأقدار، وفيها يمحو اللَّه ما يشاء ويثبت جلَّ شأنه ..، وفيها تفهم قوله تعالى “فأينما تولوا فثَمَّ وجهُ اللَّه”، وتفهم حديث رسوله صلى اللَّه عليه وسلم “القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن”، وتفهم معنى “كلمات اللَّه”، و “نَفَسُ الرحمن” و “كل يوم هو فى شأن”.. والكثير من مثل هذه المعانى، وكل عارفٍ يعْرِفُ على قَدْرِهِ..

وهذه العوالمُ.. وهذه الحضرات، لا تدرك بالعقل ولا بالعلم المنقول، لأن ألفاظ اللغةِ لا تتحمل معانيها على حقيقتها، وإنما تُدْرَكُ بالقلْب وتُشَاهَدُ بالفؤاد، “فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور”، ويقول جل شأنه “ما كَذَب الفؤاد ما رأى”

ذلك أن القلب هو محل التقاء وازدواج النفْس بالروح، وللنفْس وجه إلى الروح ووجه إلى القلب، والقلب عرش الروح.

فالقلب يرى، والفؤاد يرى، وهما لا يريان ما ترى العين، بل أشياء أخرى، وبكيفية مختلفة عن العين.

والصدر محل التقاء وازدواج القلب بالنفس، والإثم “ما حاك فى الصدر” كما يقول صلى اللَّه عليه وسلم… أى تردد بين شهوة النفس ونور الإيمان فى القلب من الروح.

وفى هذه الحضرات ومن أنوارها يُرَبِّى اللَّه تعالى القلوب، فينيرها لأهل السعادة، ويطمس عليها والعياذ بالله لأهل الشقاء، ويقلِّبها كيف يشاء، فيزيدُ الإيمان وينقص، ويقع اليقين وَيُرفع، وتنزل السكينة وتُسلب، وتُمنح المحبة وتُؤخذ،… وينادى المنادى “لمن المُلْكُ اليومَ، للَّه الواحد القهار”.

فالمُلْكُ على القلوب للَّه تعالى لا شريك له.

فهذه العوالمُ هى حضراتُ الصّفات وتجلياتها، وهى حضرات القلوب وتلقِّيها، وهى وسطية بين عوالم النفس وعوالم الروح.

وبعض الأنفس البشرية إذا استنارت بنور اللَّه تعالى، يحدث لبعض قواها “المدْرِكَة بالباطن” مثل الفكر والوهم والخيالِ اتصال ببعض هذه العوالم، وذلك لِسُطوع نور الروح على القلب ثم على النفس، فيرى المؤمن بنور اللَّه، ويُلْهَم الصواب ويدرك بعض حكمة اللَّه فى أقداره، و قد يرى سريان القَدَرِ فى العباد، وفد تستغرق قلبه هذه العوالم فيعيش فى حضراتها كُلِّيةً … وقد يتعامل مع أرواح الأموات فيأخذ منهم ويعطيهم….

عالم الملكوت

هو الجزء الأعلى من عالم الجبروت

وهو حضرات كثيرة، لا مجال للنفس ولا للقلب فيها.. ولكنها روحية محضة…

وفيها التجلِّياتُ العظمى التى لا تُشرح ببيان، ومن تعرض للحديث عنها خانه التعبير فجاء حديثه إما ناقصا وإما مشوها، فأسيء فهمه، وربما لُعِن و سُبَّ واتهم بما ليس يقصده.

والمشاهد لهذه العوالم والمتذوق لها هى الروح لا غير.

ويمكن أن نقول وبمنتهى الحذر أن هذه العوالم فى الملكوت الأعلى تكون بعيدة كل البعد عن الأكوان المخلوقة…

ففى العوالم الأولى تظهر الربوبية للنفس والجسد..

وفى العوالم الثانية يظهر المُلْك للَّه تعالى فى القلوب.

وفى العوالم الثالثة تظهر الألوهية للَّه تعالى على الأرواح.

” قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس”

فالمربِّى يربِّى أولاده بأفعاله وتربيته، ومنها رب البيت وربة المنزل، وكل مسئول عن قوم … والمَلِكُ يمنح ويمنع ويرهب القلوب، ويملأها خشية ومحبة وسكينة بعطاياه وأوامره وصفاته، وكذلك صاحب كل سلطان على قومه.

أما الإله جل شأنه فقد انفرد بالسيطرة والهيمنة على الأرواح، فلا إله إلا اللَّه… والله جَلَّ شأْنُه جَامعٌ كلِّ هذا فى وحدانيته، فهو ربُّ الناس فوق الأرباب، وَ مَلِكُ الناس فوق الملوكِ جميعا، وإله الناس والملوك والأرباب وكل ذى روح… جلّ شأنه العظيم.

فالذاكرُ اللَّه تعالى بلسانه وأفعاله فهو لا يتعدى عَالَم الملكِ والشهادة ….

والذاكرُ اللَّه تعالى بقلبه فقد دخل فى عوالم الجبروت….

والذاكرُ اللَّه تعالى بروحه فقد دخل فى عوالم الملكوت….

ويمكن أن نقول أن الذى اصطفاه اللَّه تعالى وجعله فى حضرات عوالم الملك فإنه يذكر اللَّه بلسانه.

و الذى اصطفاه وجعله فى حضرات عوالم الجبروت فإنه يذكر اللَّه بقلبه.

والذى اصطفاه وطَهَّره واستكمله فجعله فى حضرات عوالم الملكوت فإنه يذكر اللَّه تعالى بروحه.

ومِنْ خَلْقِ اللَّه تعالى من اصطفاهم فجعل أنفسهم فى عالم الشهادة، وقلوبهم فى عالم الجبروت، وأرواحهم فى عالم الملكوت…

ومِنْ خَلْقِ اللَّه تعالى من يعيش فى هذه العوالم كالضيف، يدخل إليها ويخرج منها باستدعاء حكيم، ومنهم من يقيم فيها، ومدة الإقامة تختلف وتتراوح…

ومِنْ الخَلْقِ من لا يتجاوزُ عَالَمَ المُلْكِ والشهادة ولا يسمو إلى غيره وكل شئ عنده محسوبٌ معلومٌ على قدر عقله وتفكيره، فهو رهين نفسه وعقله وعلمه فقط، وسبحان الفتاح الوهاب العظيم….

وهذه الحضرات سواء حضرات الأفعال أو الصفات أو غيرها على تنوعها وعدم تناهيها إنما تجمعها حضرة واحدة والجميع داخلها هى حضرة “الفردانية”…

فسبحان من جعل مَظَاهر الوحدة فى الكثرة، ومظاهر الكثرة فى الوحدة…، وجعل الكون كله مَظَاهِره وتجلياته، دون أدنى شبهة أو قول عن حلول أو اتحاد فيه، فإن القول بالحلول أو الاتحاد كفر صريح نعوذ بالله منه ولكننا نبين صنع اللَّه وقدرته فى أكوانه وخلقَهُ جَلَّ شأنه.

منقول من موقع الشيخ صلاح الدين القوصي www.alabd.com

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *