متى تقول كالخليل: إني ذاهب إلى ربي سيهدين

أو عبارة عن الانتقال من شهود عالم الملك إلى عالم الملكوت, ومن الملكوت إلى الجبروت, أو من عالم الحس إلى عالم المعنى, أو من شهود الكون إلى شهود المكون, أو من عالم الشهادة إلى عالم الغيب, أو من السلوك إلى الجذب, ثم من الجذب إلى السلوك, أو من توحيد الأفعال إلى توحيد الصفات, ثم إلى توحيد الذات, ولا يتحقق السفر ولا يظهر السير إلا بمحاربة النفوس ومخالفتها في عوائدها وقبيح مألوفاتها وشهواتها, فلولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين, إذ لا سير ولا سلوك إلا فيها, ولا جذب ولا أخذ إلا عنها, ولذلك قال بعض المحققين, لا يصح أن يقال في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: سالكون, ولا مجذوبون, لأن الجذب لا يكون إلا عن نفس, والسلوك لا يكون إلا في قطع عقباتها, وهم عليهم الصلاة والسلام مطهرون من آثار النفوس بأول قدم, فهم مقيمون في بساط الحضرة قديما وحديثا,

(حضرة الحق) يعني دائرة ولايته, وهي عكوف القلب في شهود الرب, بحيث يفنى من لم يمكن, ويبقى من لم يزل.

وقد ضرب الساحلي مثلا للسفر المعنوي, الذي يوصل إلى الحضرة, وحاصله باختصار: أن مثل الحضرة كملك كبير ظهر بالمشرق مثلا, وأرسل رسلا يعرفون به ويشوقون الناس إلى حضرته, بذكر محاسنه ومكارمه, فمن الناس من أعرض عن طاعته وهم الكفار مثلا, ومن الناس من أذعن وأطاع وعجز عن السير إليه: إما لثقله أو لضعف محبته, وهم عوام المسلمين الذين يؤمنون بالغيب, ومن الناس من تشوق إلى السير إليه وبذل مهجته وروحه في الوصول إليه, فقالت له الرسل أو من ناب عنهم: ها نحن نسير بك ونعرفك الطريق, ثم إن الملك بنى ديارا في الطريق ينزلونها, وجعل فيها: مياها, ورياضا, وأزهارا, وكل منزل ما بعده أعظم منه, فإذا سارت الرسل أو نوابهم بالناس, ونزلوا في بعض تلك المنازل, أراد بعضهم أن يسكن فيها ويقيم ثم, فيقول له الرسول: المطلوب أمامك, فما زالوا يرحلون بهم من مرحل إلى مرحل, ومن مقام إلى مقام, حتى يشرفوا بهم على الملك, فإذا شاهدوا الملك على نعت الرضا والتكريم, كان ذلك مقامهم ومسكنهم, انتهى.

وقال ابن عطاء الله في الحكم في هذا المعنى, فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى, قد أشرق نوره وظهرت تباشيره, فصدف عن هذه الدار مغضيا, وأعرض عنها موليا, فلم يتخذها وطنا, ولا جعلها مسكنا, بل انهض الهمة عنها إلى الله, وصار به مستعيناً في القدوم عليه, فما زالت مطية عزمه لا يقر قرارها دائما بتسيارها, إلى أن أناخت بحضرة القدس وبساط الأنس, في محل المفاتحة والمواجهة, والمجالسة والمحادثة, والمشاهدة والمطالعة, فصارت الحضرة معشش قلوبهم, إليها يأوون, وفيها يسكنون الخ.

ومن تشوف إلى الحضرة لا بد له من دليل يدله عليها, ويسلك به طريقها.

قال في (شرح الشريشية): اعلم أن سلوك الطريق, وخصوصا لمريد الكشف والتحقيق, لا يكون من غير التزام الطاعة والانقياد لشيخ محقق مرشد, لأن الطريق عويص, وأدنى زوال يقع عن المحجة يؤدي إلى مواضع في غاية البعد عن المقصود.

…..

وقال إبراهيم بن شيبان رضي الله عنه: لو أن رجلاً جمع العلوم كلها, وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ, أو إمام, أو مؤدب ناصح, ومن لم يأخذ أدبه عن آمر له يريه عيوب أعماله ورعونات نفسه, لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات.

…..

والموضع المأمون هو: الزهد في الدنيا والبعد منها, ومن أهلها.

وفي الحديث: (ازهد في الدنيا يحبك الله, وازهد فيما أيدي الناس يحبك الناس).

وفي حديث آخر: (الزاهد يريح بدنه وقلبه في الدنيا والآخرة).

وقيل لأبي الحسن: مالي أرى الناس يعظمونك, وليس لك كبير عمل, قال بسنة واحدة افترضها الله على عباده, تمسكت بها.

قيل: وما هي؟ قال: الإعراض عنكم وعن دنياكم.

…..

…..

كما قال في الحكم: اخرج من أوصاف بشريتك من كل وصف مناقض لعبوديتك, لتكون لنداء الحق مجيباً, ومن حضرته قريباً.

وفي الحكم: لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين, لا مسافة بينك وبينه, حتى تطويرها رحلتك, ولا قطعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك.

وقال أيضا: كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته, إلى آخره.

وكما أن الشيخ بمنزلة شيخ الركب في معرفة الطريق, هو أيضاً بمثابة الطبيب الذواق, فهو طبيب القلوب بما علم وعرف من أحوالها, وعالج من أمراضها, وبما شاهد وذاق من أنوارها وأسرارها.

وقد أشار الفضيل رضي الله عنه إلى هذا حيث قال: العالم طبيب الدين, والدنيا داء الدين, فإذا كان الطبيب يجر الداء إلى نفسه فمتى يبرىء غيره, وأنشدوا:

وغير تقي يأمر الناس بالتقى *** طبيب يداوي الناس وهو عليل

وقال آخر:

يا أيها الرجل المعلم غيره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا ** ومن الضنى وجواه أنت سقيم

وأراك تلقح بالرشاد عقولنا *** نصحاً وأنت من الرشاد عديم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهيت عنه, فأنت حكيم

فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى *** بالقول منك وينفع التعليم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم

….

 

وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا, وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا).

قال في التنوير: فمن رضي بالله ربا استسلم له, ومن رضي بمحمد صلى الله عليه وسلم اتبعه, ومن رضي بالإسلام دينا عمل به.

قلت: ولا شك أن القلب إذا كان عليلا لا يذوق حلاوة الإيمان, ولا يجد للطاعة ولا للمناجاة لذة, ففم السقيم لا يجد للطعام ولا للشراب لذة, فإذا صح القلب ذاق حلاوة الإيمان, ومن أركانه الإيمان بالقدر, خيره وشره, حلوه ومره, فيستحلي ما يبرز من عنصر القدرة كيفما كان, إذ كل ذلك من عند الحبيب, ولله در القائل حيث قال:

إذا كانت الأقدار من مالك الملك *** فسيان عندي ما يسر وما يبكي

رضيت بما يقضي الإله فأمره *** يقابل بالإقبال عند ذوي النسك

وإن صَلَى الإنسانَ نارٌ مشقةً *** فما الذهب الإبريز إلا أخو المسك

أخو الصبر لا يخشى أمورا وإنما *** يهنأ في الحالين من غير ما شك

قوله: (والساخط القلب يعود راض) هذا علامة الشفاء, فما دام العبد ينقبض عند الجلال والشدة, وينبسط عند الجمال والرخاء ففيه بقية من مرض القلب, فإذا استوت عنده الأحوال, فذلك علامة الصحة على الكمال, ويتصل بمقامات الرجال.

الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الإلهية للعارف بالله أحمد بن عجيبة الحسني عن

(http://www.daraleman.org/forum/forum_posts.asp?TID=1127&PN=1&TPN=1)

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *