قرب المعرفة وقرب الربوبية


والحديث الشريف يقول فيه صلى الله عليه وسلم “يولد المولود على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه” .. بمعنى أن الفطرة في أرواح الخلق .. وأن ما يحدث بعد الميلاد من تغيير يكون في الظاهر .. لذا فالخلق على إطلاقهم مهما إختلفت عقائدهم في الظاهر .. لا ملجأ لهم في أمور حياتهم سوى ربهم ووسيلتهم الدعاء …
وهذا هو قرب الربوبية .. فالله رب للجميع .. ومسئوليته عن الجميع .. ثم إنه يفتح على غير المؤمن إذا إجتهد وأخلص في عمله فتوحا قد يغير وجه الحياه .. وانظر إلى ما حولك من وسائل الحياه من كهرباء وأجهزة واتصالات وسيارات وطائرات وكلها تمت بأيادي وعقول قد يكون بعضهم لا ديانة له أو من عبدة البقر .. ثم لنقرأ قوله تعالى “ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون” ولفظ الصالحون هنا ينصرف معناه إلى الصالح لعمارة الأرض .. مهما كان إعتقاده .. وليس الصالح بمعنى المؤمن ..
فمعارف الربوبية متاحة لمن ينهل منها إذا إجتهد وكان صالحا لها .. وهذا هو القرب المشار إليه في الآية الكريمة .. وهو قرب إجابة الدعاء .. وهو قرب عوام الخلق من ربهم .. فهم على قدر معرفتهم بربهم يسألون ويطلبون ..
أما عن قرب المعرفة من الله فأمر آخر .. أن تكون عارفا بصفاته وذاته وحكمته العليا .. فهذه درجة من القرب رفيعة المذاق .. وتحتاج إلى معرفة أعلى من معرفة العموم .. وفيها يخاطب المولى جل شأنه أصحاب هذا المذاق الرفيع أو هذه الرغبة السامية في قرآنه قائلا “الرحمن فاسأل به خبيرا” .. فوجود الخبير بالرحمن لمن سمت نفسه في المعرفة الحقيقية بالرحمن تقدس في علاه أمر طبيعي .. وفي موضع آخر يؤكد مولانا المعنى عندما يقول في سورة الكهف “ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا” .. فها هي ولاية الإرشاد إلى الله بنص كلام الله لمن يتنطع في فهم المعنى .. فهنا روح لها شخصية قياديه وإرشاديه بها ولها معارف أعلى بالله تعالى .. حتى ألصق الله بها وصف الخبير .. الخبير بماذا ؟ بالنور الإلاهي .. والصفات الإلاهية .. وحكمة مولانا العليا .. وقضائه وقدره ….. وإلا ما أصبح خبيرا .. فإن سمت نفسك في القرب الأعلى .. وأردت حقيقة القرب من مولانا سبحانه وتعالى .. فابحث عن الخبير .. او كما سماه الله تعالى في الآية الأخرى “مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً ” … فإذا كان القرب في الآية التي نحن بصددها مطلقا .. فلا داعي لأن بكون هناك خبير .. ولكن الآية في القرآن جاءت لتوضح المعنى وتؤكده ..
كل هذا في سبيل عدم خلط المعاني .. وإعطاء كل معنى حقه في الشرح للتعريف وتأكيد المعاني الإيمانية في القلوب .. لأن الساحة عامره بالهواة من الدعاه كثيري الكلام .. يرددون كلاما لغيرهم بلا فهم .. وعوام المسلمين في حاجة إلى معنى حقيقي يلامس القلوب وغير ملفق .. بل ويتقبله العقل بلا إجهاد ..
فالله تعالى قريب منا …. نعم .. ليس في هذا شك .. لكنه قرب إجابة الدعاء .. فالخلق عيال الله بنص الحديث القدسي .. يمدهم ويربيهم ويشفيهم .. فليس لهم سواه .. أما قرب المعرفة والتقديس والتعظيم لله جلالا وكمالا فهذا أمر آخر .. يتطلب معرفة أعلى .. وخبيرا بالرحمن .. أو وليا مرشدا ….
وإن كان هذا الشرح وجها من وجوه الآية بل أبسطها .. فلا مانع أن يكون لها شرحا آخر .. فكل ميسر لما خلق له في الفهم والعمل .. فاحتكار المعاني والتضييق على الخلق دليل الجهل.. والله سبحانه هو الواسع المنان ..
فليست رغبات كل الخلق على درجة واحدة .. لأن العقول كذلك .. بل والقلوب أيضا .. فقرب المعرفة من الله لخصوص خلقه .. وكلما إرتفعت دائرة المعرفة هذه ضاقت حلقتها وقل عددها حتى تصل إلى المخلصين .. وهم من أخلصهم الله لنفسه بنفسه .. وهم الأنبياء أو من اصطفاهم واجتباهم الحق سبحانه وتعالى .. ثم منهم الرسل ذوي العزم وهم الخمسة المعروفين
.. ثم كان من الخمسة هؤلاء السيد الأعظم والعبد المفرد خير الخلق أجمعين .. من لا تكفي الكلمات لوصفه ولا يحيط مخلوق بقدره ( ما عرفني غير ربي ) وهو سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل .. ويخلق ما يشاء ويختار …
ويضرب مولانا الشيخ صلاح الدين القوصي مثلا بسيطا لتأكيد هذا المعنى بقوله .. أن الواقف على باب ملك من ملوك الدنيا يستطيع أن يسأل الملك ما يشاء من ملكه مالاً كان .. أو أرضا .. أو زرعا .. فها هي إمضاءاتي وتوقيعاتي للرعية لهم بعض ملكي … لكن أن تتجاوز بطلبك التعرف على خصوصية حياة الملك وزوجته وأولاده وغرفة نومه وكيف وماذا يأكل .. فهذا تطاول بعيد .. بل هذا للخصوص والأحباب من البطانة وليس كلهم .. أما أنت فمكانك عند الباب بل خارجه حتى تأتي عطية الملك …. ولله المثل الأعلى كي تفهم ما خط القلم ….

كتبه السيد:/ خالد نصر نقلا عن الشيخ صلاح الدين القوصي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *