يامن يبحث عن السكن والمودة والحب والعناية هلم إلى محمد؟

وبنظرة سريعة على هذه الآيات المباركات تدرك مدى اهتمام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بأمر المؤمنين وحرصه عليهم ورحمته بهم واستغفارِه لِهم..

ولفظ السكن هنا أمره عجيب… فصلاة رسول اللَّه على المؤمنين هى سكنهم وراحتهم وسكينة نفوسهم وسعادة الدنيا و الآخرة لهم…

تأمل… رَحِمَكَ اللَّهُ و إيَّانَا فى هذه التعبيرات… السكن والسكينة والسكون… و ماذا تعنى هذه المعانى للإنسان وأهميتها له فى حياته…

و إذا نظرت إلى قول اللَّه تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الروم21 وكذلك قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) الأعراف189 لأدركت معنى السكن المقصود من الراحة والإطمئنان والأمان والستر بين المرء وزوجه… وهذه المعانى والمشاعر الإنسانية لا يجدها الإنسان إلا مع أهله… ولم يذكرها اللَّه تعالى إلا فى هذين الموضعين…

فإذا ربطنا الآيات والاطمئنان والراحة الحقيقية لك فى حياتك… حتى السكن مع أهلك قد يتغير… وقد تفتقده لظروف طارئة وقد يزيد وقد ينقص… أما السكن عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فهذا شيئ آخر علوى رحمانى ولا يتغير بظروف دنيوية…

سكينتك وإطمئنانك وراحتك إنما هى من صلاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عليك… يا سبحان اللَّه…

فإذا رجعت إلى الآية الكريمة (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) الأحزاب6 لأدركت معناها بإحساس آخر… فالنبى صلى الله عليه وسلم أَحَنُّ وأولى بك من نفسك… ياللَّه!!! بل لا يقف الأمر عند هذا الحد…

فإن اللَّه قد وضع فى زوجات الرسول رضى اللَّه عنهن جميعًا من المودة والرحمة بك ما هو يزيد عن شعور الأمومة الحانية الصادقة!!

فأصبح بيت النبوة كله رجالا و نساءً مصدر الرحمة والسكينة والحب والعطف والحنان لك أيها المؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم …

ولاشك أنك تحب نفسك… وتحرص على مصالحك وراحتك… و لكنك فى الحقيقة لا تعرف ما يضرك مما ينفعك… بنص الآيات الكريمة (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) البقرة216…

أمَّا حب رسول اللَّه لك… فهذا حب مبنى على معرفة بك وبمصالحك بنور اللَّه تعالى ونور ذاتية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم … فلا يمكن أن يتجاوز سعادتك وراحتك الحقيقية لك دنيا وأخرى…

وقول اللَّه تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم : (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) التوبة128 واستعارة صفتين من صفات اللَّه تعالى فى المودة والحب والرأفة لتكونا فى رسول اللَّه إليك… تدلك على مدى حنان ورحمة رسول اللَّه بك… والذى هو أكثر من أبيك وأمك وولدك…

فإذا رجعت إلى كلام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم “إنما أنا رحمة مهداة”… وكذلك قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) الأنبياء107

فلعلك تنظر إلى معان جديدة فى معنى هذه الرحمة والرحمات من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إليك و إلى المؤمنين…

فباللَّه عليك… إذا كان كل هذا الحب و الرحمة من رسول اللَّه إليك فبماذا أنت تقابله!!! وكيف يكون حُبُّكَ وصِلَتُكَ به وصلاتك عليه صلى الله عليه وسلم!!!

و تنبه إلى أن معنى الرحمة ليس هو السير على هواك ورغباتك… فقد يرديك هواك… وتقتلك رغبتك دون أن تدرى… ولكنها البحث عن سعادتك وما يصلح حالك دنيا وأخرى… وقد سبق أن ذكرنا أن الخِضْرَ قد قتل الغلام الصغير رحمة بوالديه الشيخين وعسى اللَّه أن يبدلهما خيرا منه زكاة وأقرب رُحْمًا… وبالتأكيد أنهما قد حزنا على موت الغلام لجهلهما بالغيب وبما كان يمكن أن يسببه لهما فى حياتهما لو ظل حيا…

و صلاتك على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لن تزيده مقاما و لا رفعة… فإن اللَّه قد رفع له ذكره. والله يصلى عليه هو و ملائكته فماذا أعظم من هذا!!!

إنما صلاتك عليه لتلحق أنت باللَّه وملائكته فى هذه الرحمات العظيمة… وليرد عليك رسول اللَّه التحية بمثلها بل أحسن منها… فالحقيقة أن صلاتك على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هى مكسب لك كبير و شفاعة لك ورفع للدرجات و رحمة من اللَّه تعالى عليك أنت… فتنبه رحمك اللَّه..

وقد قال صلى الله عليه وسلم “إن أقربكم منى مجلسًا يوم القيامة أكثركم علىَّ صلاة” كما ورد فى الحديث الذى رواه البيهقى فى شعب الإيمان عن أبى أمامة… ولن أفيض فى شرح هذا الحديث بل أترك لك أنت فهمه ومذاقه.

نسأل اللَّه تعالى أن يمن علينا وعليكم بالفتح من عنده.. فيخرجنا من التقييد الأرضى المادى إلى ملكوت السموات و الأرض.. ويهبنا من علمه الواسع ما يصحح به إيماننا ويزيد يقيننا باللَّه والرسول صلى اللَّه عليه وسلم حتى يتحقق فينا قوله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) فاطر28 وكذلك قوله سبحانه :

(وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) البقرة282… فتقر عيوننا وقلوبنا برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وينشرح صدره الشريف المبارك بنا رضا ومحبة فندخل فى زمرة الصادقين المحبين المخلصين من باب الذل والعبودية والمحبة للَّه ورسوله فيكرمنا بشفاعته و ولايته صلى اللَّه عليه و آله وصحبه و التابعين و نحن يا رب العالمين و نسأله العفو عن أخطاءنا وزلاتنا من قول وعمل وما صح من أقوالنا فمن اللَّه ورسوله وما جانبه الصواب فمن أنفسنا… و نسأل اللَّه العفو منه و الغفران. و اللَّه تعالى أعلى و أعلم

من كتاب مولانا وشيخنا صلاح الدين القوصي (محمد مشكاة الأنوار ) لتحميل الكتاب من هنا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *