أغرب المعجزات

 

نعم فمن ولد في فضائل ولازمته في طفولته وشبابه وكهولته ففضائله سجية راسخة لاأحوال عارضة إذ تكون شمائلَ وطبائع لايجتذبها التكلف ولايقدر عليها التصنع، وإذا كانت كذلك ازداد ظهورها تجلياً وأصبح تبينها عند الناظر أوضحَ وأظهر، ولأنها في هذا المستوى من الرسوخ تستعصي على التكلف وتتأبى على التصنع فهي عند أهلها كالبرهان الساطع والمعجزة القاهرة تأخذ بيد صاحبها إلى الإيمان وتملأ قلبه بالطمأنينة والإنعام وإذا كانت هذه المعجزة مما لايدركه إلا فئة من الناس خاصة فإن هذا لايَنقُص من عظمتها وسموها كما أن إعجاز البيان القرآني لايعرفه إلا أهل الفصاحة وفرسان البلاغة وهو مع ذلك من أعظم وجوه الإعجاز ولكن هذه الفئة _ الفئة الذين يعرفون الناس بسيماهم _ هم بين الناس من الكبراء وموضع التقدير والإقتداء يقتفي الناس آثارهم ويتبعون آراءهم، وعبد الله بن سلام رضي الله عنه فوق أنه من أحبار اليهود العلماء وسادة دينهم العظماء كان باحثاً عن الحق بإخلاص ومِثْله يهبه الله نور البصيرة مع نور البصر ولطف التدبر مع عميق التفكر أفيمكن أن يشتبه عليه أو على أمثاله مايتجلى في وجه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من محاسن الشمائل ومكارم الشيم التي تناقض كل معنى من معاني السوء والكذب، ألا تقهر هذه الشمائل العقلَ قهراً وتسوق القلب جبراً إلى الإيمان بصاحبها وحُبه وتعظيمه؟ ماذا يفعل العاقل حين يجد في وجه النبي صلى الله عليه وسلم سِيما التواضع التي لاتخفى بل هي تنفي سيما المتكبرين على الضعفاء والمساكين وتنفي سِيما المتعالين الذين يدّعون لأنفسهم من التميز مالايملكون، ألا يقول إن هذا وجه صادق لايكذب ولايبالغ ولايتصنع ليخادع الناس؟! ماذا يفعل حين يرى في وجه النبي صلى الله عليه وسلم طمأنينة الأمين ولايرى قلق الخائنين وتربص الغادرين وهي صفات لاتخفاه، أيشك فيه أن يقولوا هذا وجه بين وجوه الكافرين مابين المشارق والمغارب؟ ماذا يقول حين يرى في وجهه صلى الله عليه وسلم ينبوع الشجاعة وهي تبدو لكل الناظرين وصاحبها يصدع بصوت الحق دون مبالاة للمعارضين وحين ينظر فلا يرى خيطاً من ظلمة الجبن التي يضعف صاحبها عن أن يواجه بالصدق إباء الرافضين، أيمكن أن يكذبه أم يقول هذا والله أقوى على الصدق من كل العالمين؟!! وماذا يقول إذا رأى في وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم علائم العفة والحياء والنزاهة وهي صفات يترفع صاحبها عن سوء المقاصد ومقاربة النقائص وإذا رأى علائم الزهد الذي يُعرض صاحبه عن متع الدنيا حين تسعى إليه أيتوقع منه الكذب الذي يرتكبه الناس ليتوصلوا به إلى مآرب السوء توصلاً إلى ماعند الآخرين؟
وماذا يقول إذا رأى في وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم طيبة القلب وسلامة الصدر وصفاء السريرة وهي صفات تكاد من قوة ظهورها على الوجوه أن تنطق بما في نفس صاحبها من الفضيلة وتتناثر مع كل نقيصة توجد عند الكاذبين من غش وخداع ومداورة وتلون أيخطر في باله أن يشتبه كلامه بكلام الكاذبين؟

ماذا يقول حين يرى في وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم الرحمة العظمى والرفق الشامل واللطف الدافق يعامل بها كل الخلق وهي صفات تباعد بين صاحبها وبين طباع الكاذبين الذين يكذبون ليخدعوا الناس  ويبلغوا بالخداع مآربهم دون أن يبالوا بالناس ومايقع عليهم من أضرار هذا الكذب،أيأتي إلى وهمه مجرد توهم أن يصدق اتهامات المكذبين لهذا الإنسان ذي الشمائل العظيمة؟؟!!

إذن : فكيف لو نظر الناظر في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أبصر سيدنا عبد الله بن سلام  رضي الله عنه تلك الشمائل العظمى والفضائل المثلى مجتمعة !! أيمكن أن يخطر بباله شيء غير أن يقول إن هذا أصدق الناطقين وأنزه المتكلمين وأن أمانة القول عنده فوق كل شيء عجيب وأعز من كل غال ورخيص

أيمكن أن يصفه بغير هذا الوصف فيقول ماقاله سيدنا عبد الله بن سلام رضي الله عنه : فلما تبينت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب،  إنها قولة عالم نحرير، وباحث خبير،  ذي عقل بصير وقلب منير، جديرة أن تكتب بماء الذهب، وتبوئ صاحبها أعلى الرتب لإنه شهد من المعجزات أعجب العجب

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

 

الشيخ محمود الزين

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *