رسول الله يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين. السر في محبته

 

ألا ترى مَعِى أن المِيزَانَ فِى ابْنِ آدمَ لايعْتَدِلُ إلا إذا سَرَى فِيهِ نُورُ الهِدايَةِ أَيْضا فى الدم والعُرُوقِ.!!! ثم بعد ذلك على القَلْبِ أَن يُصَفى ويُنَقى ويُطَهرَ وَيَفْصِلَ هذا عن ذاك، ثُم يخْتَارُ ما يُهَيئُهُ الله لَه منْ خَيْرٍ.. أو غَيْرِهِ… ثُم الجَوارِحُ تُنَفذُ الأَوامِرَ.!!

ومن أَوْلَى بمحمدٍ.. ونورِ محمدٍ.. وهَدْى محمدٍ بالسريانِ فى العروق والدمَاء، بالنورِ والهُدى، لِيُواجِهَ إِبْلِيس وأعوانه، فى هذه المعركةِ!!!

ألا يوافق هذا المعنى قوله تعالى فى سورة الحجرات: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ) !! أى يسرى بالهداية فيكم.!!وما قولك.. وماذا تفهم من قولِ الله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ).. وما الفرق بين لفظ "رسول من أنفسكم" وبين "رسول منكم"!!!!.

وكما سبقت الاشارة إلى قوله تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) …. وما المقصود بنحن!!! وأين هو حبل الوريد من القلب والنفس!!!

ومقصود كلامنا كُلهِ.. ونحن نقوله بحذرٍ شديدٍ.. وحرصٍ أشد…. أن أنوار نُبُوةِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هى السارِيةُ بالهدايةِ فِينَا وحتى يومِ القيامةِ… وكل مؤمنٍ يأخُذُ على قدره، ما بين العامة والخاصةِ من أمتِه عَلَيهِ الصلاةُ والسلامْ… فنورُ رُوحِهِ أَمَدتْ الأنْبيَاءَ السابِقِينَ عَنْهُ بَعْثةً ورِسَالةً... ونور روحه هو السارىأيضاً بالهدايةِ فينا وفىاللاحقين من بعدهِ….

فروح رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم..هى الروحُ الأعظمُ التِى استنارت بنور الله تَعَالَى.. وهِىَ مَهْبِطُ أسْرارِ الله.. وكَنْزُ أنوارِ مَعْرِفَتِهِ جَل شَأْنُهُ… فأمدتْ بِأَنْوارِهَا وأسرارِهَا كُل سابقٍ أو لاحقٍ….

وكانت ذاتُهُ البَشَرِية الشريفة.. هى الذاتُ الكامِلَةُ خَلْقًا وخُلُقا.. وَجَمَالاً وكَمَالاً وجَلالاً… ومَا فيها للشيطانِ حظٌ ولا نصيبٌ، حيثُ شَرَحَ الله صدرهُ..، ووضعَ عَنْهُ وِزْرهُ..، وأَعْلى لَه قَدْرَهُ…

وعندما الْتَقَتْ الروحُ المُحَمدِيةُ العَالِيَةُ بالجَسَدِ النبَوِى الشريف.. كانَ الكَمَالُ كُله فى الخِلْقَةِ الإِنْسَانِيةِ…، وكانَ مُحَمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم النبِى الرسُول..، البشرى، الروحانى، هو الصورة المثلى للإنسان، والبشرية، والنبوة، والرسالة…، فاستحق بذلك الخلافة الحقةَ عنِ الله تعالى فى الكون..، بينما خلافةُ غيره ناقصة..، وهو سيد ولد آدم..، وإمام المرسلين..، وأعرَف الخلْق بِربهِ.. فهو صلى الله عليه وآله وسلم العبد..، النبى..، الرسول.. الكامل…..

وإذا كُنا نحن البشر جميعا ندين لأَبينا آدم عليه السلام بأبوتِهِ لنا جسداً ومادةً وبشريةً.. أفلا ندين لِمُحَمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم بأُبُوتِهِ الروحية لنا!!! فإذا كانت روحه صلى الله عليه وآله وسلم هى التى تُمِد أرواحنا بالهدايةِ والنورِ، أَفَلا يَكُونُ هو الأب الروحى للخلْقِ جميعاً…

وما معنى قوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) فإذا كان أزواج رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم قد صَيرَهُن الله أُمهَاتِنَا.. أفلا يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبونا ووَلِينا الروحى…

يقول صلى الله عليه وآله وسلم ”أنَا أوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفى مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنا فَعَلَى قَضَاؤُهُ، ومَنْ تَرَكَ مَالاً فَهُو لِوَرَثتِهِ “ وهو صحيح، رواه الخمسة عن ”أبى هريرة“ (والخمسة هم البخارى ومسلم وأحمد والنسائى وابن ماجة).

أما قوله تعالى فى نفسِ سورة الأحزاب: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً).

فالآيات هنا تتحدث عن الأبُوةِ المادِيةِ بِالمُصَاهَرَةِ والنسَبِ، وتنفى هذه البُنُوةَ عن المُتَبَنى، كما هو معروفٌ فى قِصةِ سيدنا ”زيد “، حيثُ كانت العرب تعتبر التبَنىَ مِثْلَ النسَبِ، فتقولُ زيد بن محمدٍ، وتُحَرمُ مِنْهُ مَا يَحْرُمُ مِن النسَبِ الحقيقى، فأراد الله تعالى أنْ يُبْطِلَ هَذِهِ العَادةَ الجاهليةَ..، ونفى هذا النسَبَ المُدعَى، وَقَالَ: ادْعُوهُمْ لأبَائِهِم هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ الله.. ومَا كَانَ محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم… فهذه قضيةٌ أخرى.. فلا يحتج بها أحدٌ علينا عنْ جهلٍ منه أو لغرضٍ فى نفسه… فنحن لانتحدث عن بشرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. ولكننا نتحدث عن نبوته وروحانيته عليه الصلاة والسلام.

و فى هذا القدرِ كِفايةٌ لِمنْ أدركَته العِنايَةُ… و ما قُلنا فِى حقه ِ صلى الله عليه وآله وسلم إلا أقل القليل.. و ما قُلنا إلا أنَهُ عبدُ الله وَرسولهُ.. صلى الله عليه وآله وسلم

والأُبُوةُ الروحِيةُ تستلزم منا البِر..،والمحبةَ..، والتعظيم لجنابه صلى الله عليه وآله وسلم… وفى هذا البر والمحبة والتعظيم سر كبيرٌ يعود بنفعه علينا… فإنك على قدر بِركَ بأبيك وحُبكَ له وتعظيمك لحضرته واقترابك منه.. يكون استِمْدادُكَ من أسراره وأنواره.. والأرواح لاتجتمع إلا  بالمحبة.. ولاتسقى بعضها البعض إلا بالتآلُف والمودة.. وبالتآلُف والمودة والاجتماع يحدث بعض التجانس والتشابه وتزداد المحبة.. فيسْرِى النور بين الأرواح بالهدى والإيمان.. وكلما اقتربت روحك من روح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما نهلْت من مشرَبِهِ.. وفزت بنواله وهداياه.. فاستنارت روحك بنور معرفةِ روحِهِ بالله تعالى.. فاقتربت به صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله تعالى…

فمحراب الأرواح كلها.. هو روح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فمنتهى سيُر الأرواح إلى روحه العالية.. ومنها إلى الله تعالى...

تماما كما أنكَ لاتعبد الله تعالى إلا بشريعته وسنةِ رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولاتصِح لك عبادةٌ إلا بما جاء به محمد من ربهِ.. وبَينَهُ.. وأوضحه لنا…. كذلك لايصِح لَكَ إيمانٌ بالله تعالى إلا إذا ارتبطت روحك بروحه صلى الله عليه وآله وسلم وأخذت من إيمانها وأنوارها….

أو بمعنى أدق.. أن يكون ظاهرك مع ظاهر رسول الله، وكذلك باطنك مع باطنه صلى الله عليه وآله وسلم…

وما فى روحه عليه الصلاة والسلام إلا الإيمان الكامل.. والأنوار الإلاهيةُ… والأسْرارُ السماوية.

يقول صلى الله عليه وآله وسلم ”خرجت من باب الجنة، فأتيت الميزان، فوُضِعْتُ فِى كَفةٍ وأمتى فى كَفة، فرَجَحْتُ بالأُمةِ، ثم وُضِعَ أبو بكر مكانى فرَجَحَ بالأُمةِ، ثم وُضِع عُمر مكان أبى بكرٍ فرَجَحَ بالأُمة ِ“ رواه البخارى فى فضائل أصحاب النبى، وكذلك أحمد فى مسنده…

 

وتأملْ هذه المعانى… ميزان ”عمر بن الخطاب “ رجح بالأمة كلها… وميزان ”أبى بكر “.. رجح بالأمة وبعمر..، وميزان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجح بالجميع!!!

يقول تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يمدَح الله سيدنا إِبْرَاهِيمَ عليه السلام بأنه كان أُمةً وَحْدَهُ…

فإذا كَانَ ”عُمَرُ بن الخطاب “ يفوق الأُمةَ بِأَسْرِهَا.. فكيف بأبى بكر الصديق.. وكيف برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!!!

 

يذكر البخارى ومسلم فى حديث صحيح، روياه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ”بَيْنَمَا رجلٌ مِنْ بَنِى إسْرائِيلَ يَسُوقُ بقرةً إذْ رَكِبَهَا، فَقالَت البَقَرَةُ: إنمَا خُلِقْتُ لِلحَرْثِ، فقالَ القَوْمُ: سُبْحانَ الله!! فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم: آمنتُ بهِ أنَا، وأبو بكرٍ وعمر“.. وليسا فى القوم….

تأمل هذه الواقِعَة… رسولُ الله يؤمن لأبى بكرٍ ولِعمر.. وهما ليسا فى القوم.. ومقصود ”أبى هريرة“ هو أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم آمن لأبى بكرٍ ولعمر مع غيابهما عن المجلس…. أليس هو يؤْمن للمؤمنين.!!

فانظر الى هذه الأرواح المؤتلفة على روح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى كأنهم روح واحدة.. غيابهم كحضورهم.. وموتهم كحياتهم…

وصدق رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم حيثُ يقول ”لاتسبوا أصْحَابِى.. فلوْ أَنْفَقَ أحَدُكُمْ مثْلَ أُحُدٍ ذَهَبا، ما بلغ مُد أحدِهِم ولا نصيفَهُ .

فالقضية إذا ليست قضية أفعال.. ولكن ما وقر فى قلوبهم من إيمانٍ، وتصديقٍ، ومحبةٍ لله، ولرسولهِ، قد ميزَهُمْ عمنْ تلاهم من قرون.. ولاشك أن وجودهم وقربهم المادى من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتشَرفَ برؤياهُ والحديثِ معه والتلَقى منه.. والتشرفَ بملامسةِ جسدِهِ الشريف.. والتمتع بوجوده صلى الله عليه وآله وسلم بجسده، وروحه، ونفسه.. لاشك أن هذا الشرف، وهذه القوة الروحية لاتتكرر على مدى القرون…، اللهم إلا منْ أكرَمَهُ الله تعالى، وافاض عليه ما لانعلم من أفضاله وإنعامه.. ولاحرج على فضل الله….

 

من الكتب التالية: (الإيمان) و(الإحسان) و(محمد نبي الرحمة) من موقع عبد الله الشيخ صلاح الدين القوصي WWW.alabd.com

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *