عصمة الأنبياء حقيقة قصة سيدنا يوسف عليه السلام

وأما أهل التحقيق من الصوفية فعندهم أن الأنبياء نزع الله من نفوسهم الميل إلى المعصية أصلاً فلا يهمون بالمعصية أصلاً ، وذلك كله مبني على حديث النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ) أي لا يكمل إيمانه إلا بذلك ، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام فوق مرتبة الإيمان الكامل بل هم في أرقى مراتب الإحسان ومن كان هواه تبعاً لشرع الله لم يكن عنده دافع نفسي إلى المعصية لأنه لا يهواه ، وإذا كان كامل الإيمان كذلك كان الأنبياء أولى به منه ، ومثله حديث سبعة يظلهم الله ومنهم ( ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله ) والنبي أعلى وأنزه من هذا الرجل بلا شك وهذا الحديث صححه الإمام النووي في آخر الأربعين النووية ووافقه الحافظ ابن حجر في فتح الباري ، ومعناه ثابت في عدة أحاديث ، كحديث السبعة الذين يظلهم الله .

إلا أن العلماء لا يضللون من خالف القول الراجح ، لأن التضليل لا يكون إلا عند مخالفة الإجماع  لا عند مخالفة القول الراجح عند الاختلاف ، ثم إن هم النفس عند كثير من العلماء لا يعد معصية أصلاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ) ، وفي بعض الروايات لم تكتب عليه شيئاً ، وقد جمع العلماء بينهما بأن من لم يعملها لخوفه من الله كتبت حسنة ، وكذلك إذا تركها رغبة نيل الأجر عليها من الله تعالى وأما من تركها لدافع آخر غير قصد وجه الله تعالى لم تكتب عليه شيء .

ولكن أهل التحقيق من الصوفية ينظرون إلى الأنبياء نظرة التنزيه العظيم لعلمهم بحال الصالحين ونزاهتهم من الذين رأوهم يتورعون عما هو أقل من الحرام والأنبياء بلا شك أورع من كل أهل الورع .

وبناء على ذلك يرون أن كل ما جاء في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مفسر بما يليق بهم من النزاهة فقوله تعالى : (( وعصى آدم ربه فغوى )) مفسر بقوله تعالى : (( فنسي ولم نجد له عزماً )) على معنى أنه نسي تهي الله تعالى له عن أكل الشجرة وأقدم عليه دون عزم على فعل ما نهى الله عنه ، وأن ذلك النسيان كان مما يحاسب عليه حسب شرع آدم عليه السلام ، وأن وقوع هذا النسيان قدره الله تعالى ليكون سبباً لعمارة الأرض ولتتعلم منه ذريته التوبة عملياً .

وأما ما جاء في قصة سيدنا يوسف عليه السلام فليس فيه عندهم ما يلام عليه يوسف أصلاً ، وكل ما ذكره بعض المفسرين هو توهم ليس بواقع ، وكذلك قال بعض أئمة التحقيق من المفسرين كفخر الدين الرازي رحمه الله .

فعندهم أن قوله تعالى : (( وهم بها لولا أن رأى برهان ربه )) أن الهم لم يقع أصلاً لأن " لولا " معناها امتناع وقوع جوابها لوجود شرطها فقولك " لولا حضور زيد لمات عمرو " معناها امتنع وقوع موت عمرو لوجود زيد ، وفي الآية يقال لم يحصل الهم لوجود رؤية البرهان ، ولو فسر بحصول الهم لكان مخالفاً الأسلوب اللغوي الظاهر الذي تفيده الآية ، ومخالفاً لما ذكر الله قبل ذلك : (( وقالت هيت لك قال معاذ الله )) ومخالفاً لإقرارها حين قالت : (( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم )) وحين قالت : (( الآن حصحص الحق أنا راودنه عن نفسه وإنه من الصادقين )) ومخالفاً لقول النسوة : (( حاش لله ما علمنا عليه من سوء )) ووجود الحرف " من " يدل على نفي السوء ولو كان جزءاً يسيراً ، ومخالفاً لقوله تعالى : (( لنصرف عنه السوء إنه من عبادنا المخلصين )) ولو كان قد هم لقال سبحانه وتعالى : كذلك لنصرفه عن السوء ، ويخالف الآية من وجه آخر ، وهو أن الله وصفه من المخلصين – بفتح اللام – وهؤلاء لا سلطان عليهم للشيطان حتى يقعوا في الغواية وقد قال الشيطان يوم طرده الله : (( فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين )) .

وللآية التي فيها قوله سبحانه وتعالى : (( وهم بها لولا أن رأى برهان ربه )) وجه آخر قالوه وهو أنها عندما استعصم وقال لها : حاش لله ، غضبت فهمت بضربه لإبائه وهم بضربها لأنها أرادت ضربه فنهاه ربه عن ضربها – وهذا هو برهان ربه – وإنما نهاه لأنه لو ضربها فمزقت قميصه لتمزق من الأمام فتفوته الشهادة ببراءته التي شهد بها الشاهد حين قال : (( إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين )) وحينئذ تخفى حقيقة الواقع وتفوته شهادة زوجها عليه حين قال : (( إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم )) .

وبهذا اكتملت لمصلحته شهادة كل أطراف القضية ببراءته وطهره ونزاهته وسموه سلوكاً وخلقاً وترفعاً عن الخيانة أمام أقوى الدواعي إليها وعظم في عين سيده وعين الملك وأعين الجميع كما يحب الله تعالى أن يكون .

وبناء على ذلك كان جديراً عندهم بالتصديق حين أخبرهم أنه رسول الله ودعاهم إلى طاعة الله تعالى وذلك من ثمرات عصمته وعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعاً .

الشيخ الدكتور محمود الزين

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *