ذو البجادين (نظرة من محمد عليه الصلاة والسلام أحب إلي من الدنيا وما فيها)

كان ” ذو البجادين ” يتيما في الصغر، فلما عمه الفقر كفله عمه، فنازعته نفسه في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فهم بالنهوض، فإذا بقية المرض مانعة، فقال لسان التسويف للنفس: قفي حتى يتقدم العمر، فلما تكملت الصحة نفد حبر المشتاق، فقال: يا عَمّ كنت أنتظر سلامتك بإسلامك، وما أرى زمنك ينشط، فقال عمه: والله لئن أسلمت لأنتزعن كل ما أعطيتك!! فصاح لسان عزمته: نظرة من محمد عليه الصلاة والسلام أحب إلي من الدنيا وما فيها. (هذا مذهب المحبين إجماعا من غير خلاف.)

وَلَو قيلَ لِلمجَنونِ لَيلى وَوَصلِها … تُريدُ أَم الدُنيا وَما في طواياها

لَقالَ غُبارٌ مِن تُرابِ دِيارِها … أَحبُّ إِلى نَفسي وَأَشفى لِرؤياها

فعاد العم في هبته حتى جرده من الثياب، فناولته الأم بجادا لها، فقطعه نصفين، فاتزر بواحد وارتدى بآخر، وخرج في حُلَّةِ:رب أشعث أغبر ” .

سُنَنَّة الأَحبابِ واحِدَةٌ … فَإِذا أَحبَبتَ فاستَنِنِ

فنادى صائح الجهاد في جيش العسرة، فتتبع ساقة الأحباب، راكبا عجز العزم مع الضجر، والمحب لا يرى طول الطريق، إنما يتلمح المقصد.

ألا بَلَّغَ اللَهُ الحِمى مِن يُريدُهُ … وَبلّغ أَكنافَ الحِمى مِن يُريدُها

خَلَيلي لَيسَ الشَيبُ عَيباً لَو أَنَنا … وَجَدنا لأَيامِ الصِبا مَن يُعيدُها

فنزل إليه ملك الموت بتوقيع: ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي، فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم يمهد له اللحد لمأمور: إذا رأيت لي طالبا، فكن له خادما. وصاح بأبي بكر وعمر: أدنيا إلي أَخاكما، وأنتدب لمرتبة لفظها: اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه، فقال ابن مسعود: ليتني كنت صاحب هذا اللحد.

من اللطائف لإبن الجوزي

والقصة في شعب الإيمان للبيهقي رواها كما يلي:

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن أبي إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي، قال: كان عبد الله رجل من مزينة وهو ذو البجادين يتيما في حجر عمه وكان يعطيه وكان محسنا إليه فبلغ عمه أنه قد تابع دين محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال له : إن فعلت وتبعت دين محمد لأنزعن عنك كل شيء أعطيتك ، قال : فإني مسلم ، فنزع منه كل شيء أعطاه حتى جرده من ثوبه فأتى أمه فقطعت له بجادا لها باثنتين فاتزر نصفا وارتدى نصفا ، ثم أصبح يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: تصفح الناس ينظر من أتاه، وكذلك كان يفعل فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «من أنت؟» قال: أنا عبد العزى، قال: «بل أنت عبد الله ذو البجادين، فالتزم بابي» فكان يلزم باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يرفع صوته بالقرآن والتكبير والتسبيح، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله، أمرائ هو؟ قال: «دعه عنك فإنه أحد الأواهين»

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *