إيمانك حقيقي أم تقليدي

 

1ـ موازنة بين الإيمان المبني على السماع والنقل والإيمان المبني على الاستدلال والعقل

أما وقد أجبتك عن سؤالك فلأفصِّل لك مذكِّراً بالمراحل التي يجب أن يسلكها الإنسان في طريقه إلى الإيمان الصحيح الذي يجعله أهلاً لأن يدخل في عداد المؤمنين الذين استحقوا أن يخاطبهم الله تعالى بقوله الكريم:

{إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} سورة الأحزاب :الآية (56).

فأقول:ليس المراد بالإيمان الذي عنته الآية الكريمة السابقة وَذَكَرَهُ الله تعالى في كتابه الكريم في مواضع عدة ذلك الإيمان الذي يتناقله السامع عن محدِّثه ويتلقاه الطالب عن كتابه ومعلِّمه ويتوارثه الولد عن أمه وأبيه، فهذا النوع من الإيمان لا نستطيع أن نسمِّيه إيماناً، بل هو مجرَّد اعتقاد وتصديق.

الإيمان الصحيح لا يأتينا عن غيرنا، بل إنما ينبعث في قرارة نفوسنا ويتولَّد في قلوبنا، الإيمان الصحيح:علمٌ نفسي وشهود يقيني تشهده النفس ذاتها وتعقله في سرِّها فإذا هو حقيقة مستقرة فيها تخالطها وتمازجها ولا تنفك عنها، الإيمان شيءٌ معنوي يسري في النفس سريان الكهرباء في الأسلاك والماء في الأغصان والحياة في الأجساد يشرق في النفس فيُشع فيها النور والعلم والحياة تدلل عليه الصفات الحسنة والمعاملة الطيبة والأخلاق الكريمة والأعمال الصالحة ويشعر به المرء في صميمه فيطمئن به قلبه وترتاح إليه نفسه وتنقشع أمامه الشكوك والشبه، وتنمحي به الظلمات.

أما الذين في قلوبهم ريب وفي أعمالهم إساءة وفي نواياهم سوء وخبث وفي معاملتهم تلاعب وانحراف فما هم من الإيمان في شيء ولو زعموا أنهم مؤمنون قال تعالى:

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ # يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ # فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} سورة البقرة :الآية (8-10).

فاسأل أيها الإنسان نفسك هل توصَّلت إلى هذا الإيمان الصحيح الذي نتكلم عنه وهل هي تابعت خطواته ومراحله واحدة إثر أخرى؟.

فإن فعلت فاطلب منها أن تذكر لك هذه المراحل وتعدِّدها وتبيِّن لك الطريق التي سلكتها، وإن لم تفعل فاستمع إليَّ أرشدك وما عليك إلاَّ أن تسلك الطريق بذاتك وتتعرَّف إلى مراحله واحدة بعد واحدة فأقول:

 

2ـ مراحل الإيمان الثلاث

أولاً:أول ما يجب أن يبدأ به الإنسان أن ينظر في نفسه ويتفكَّر في ذاته ممَّ خُلق، وكيف تكوَّن في بطن أمه حتى صار إنساناً سوياً؟. وعليه أن يتابع بفكره الأطوار التي تنقَّل فيها والمراحل التي مرَّ عليها، فمن نطفةٍ إلى علقةٍ ومن علقة إلى مضغة، ومن مضغة إلى إنسان سوي كامل الهيئة تام التركيب يحار الفكر في كمال صنعه ويقف حائراً أمام عظمة كل جهاز من أجهزته وحاسةٍ من حواسه ولا يسعه إلاَّ أن يخر ساجداً لعظمة تلك اليد التي عملت في تكوينه وإحكام صنعه، فإذا ما نظر في نفسه هذه النظرات جنيناً، وأتبعها بنظرات أخرى تدور حول أيام طفولته الأولى مولوداً صغيراً يوم كان يأتيه الغذاء من ثدي أمه لبناً سائغاً كامل التركيب كافي المقدار منظَّم المعايير متوافقاً في نسبته الغذائية مع تدرُّجه في النمو يوماً بعد يوم على حسب ما يتطلَّبه جسمه ويحتاج إليه، أقول:

إذا نظر الإنسان إلى نفسه هذه النظرات وفكَّر هذا التفكير وتابع ذلك وتوسَّع فيه فلا شك أن تفكيره هذا يرشده ويهديه إلى أنَّ هنالك يداً عظيمة صنعته وخلقته وعُنيت بتربيته منذ أن تشكَّل وخرج إلى هذا الوجود وهي ما تزال مستمرة العناية به قائمة بالتربية عليه.

إنَّ هذه النظرات في البداية وفي أصل التكوين لها أثرها، لا بل عليها يتوقف الإيمان بالمربي، ومن لم ينظر هذه النظرات في أصله ومن لم يتعرَّف إلى بدايته فما هو من الإيمان اليقيني بربِّه في شيء.

قال تعالى معرِّفاً إيانا بطريق الاستدلال على معرفة المربي بما أشارت إليه الآيات الكريمة في قوله تعالى:

{قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} سورة عبس :الآية (17-20).

{فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ}سورة الطارق :الآية (5-7).

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِين، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} سورة المؤمنون :الآية (12-14).

ثانياً:أما وقد عرف الإنسان خالقه ومربِّيه ونظر في بدايته وتبدَّت له عظمة ربّه فلا شك أنَّ ذلك يقوده إلى التوسُّع في التفكير وينتقل به إلى النظر في نهايته كما نظر في بدايته فيتساءل في نفسه ما بال فلان قد قضى نحبه ومات؟. وما بال فلان لم يطل به أمد الحياة؟. وأين فلان وفلان؟. وما بقي لهؤلاء الذين فارقوا هذه الحياة من العز والسلطان؟. وأين هم من متع الحياة وشهواتها وجميع ما فيها من ملذات؟. وإذا كان الموت نهاية كلِّ إنسان ومصيره المحتوم وإذا كانت مساعي الإنسان جميعها تصل به إلى هذه النهاية مهما امتد به العمر وطال فما في الحياة من أمل، والخاسر الذي يسترسل فيها دون أن يتعرَّف إلى ما وراءها.

وهنا وبمثل هذا التفكير في النهاية والمصير إلى القبر وما فيه من رهبةٍ ووحشة، تخاف النفس وتلتجئ إلى الفكر وتصدق في طلب معرفة الحقيقة، فلمَ جاء الإنسان إلى هذا الوجود؟. وما هذه اليد التي خلقته وأرسلته إلى هذه الدنيا ثم كتبت عليه الموت ومفارقة الحياة؟.

وينشد الإنسان هذا النوع الجديد من المعرفة ناظراً في أصله لمَّا كان نطفة فيقول:

هذه النطفة التي أنا منها خُلقت وتكوَّنت إن هي إلاَّ خلاصة ألوان شتى من أطعمةٍ وفواكه وأثمار تجمَّعت هذه الخلاصات ومنها خُلقت؟.

فمن أين جاءت هذه الأطعمة، ومن الذي خلق هذه الفواكه والخضار والأثمار وما هذه البذور المختلفة ومن أين جاءت ومن الذي ألقى بها على سطح الأرض؟. ما هذه التربة التي اشتملت عليها الأرض وكيف تكوَّنت؟. ما هذه الأنهار؟. ما هذه الأمطار؟. ما هذه الشمس؟. ما هذا القمر؟. ما هذا الليل والنهار؟. ما هذا السير الدائم؟. ما هذه الحركة المستمرة في هذا الكون وما هذه الدورات المنظَّمات؟. بل ما هذه اليد التي تدير الكون كلّه لتتأمَّن حياتي وتتوفَّر أقواتي وليستمر وجودي؟.

أليس هذا الكون كلّه وحدةٌ مترابطة الأجزاء متماسكة الأجرام؟. أليس كله يعمل ضمن قانون ونظام؟.

أما لهذا الكون من يد مدبِّرة وقدرة عُليا مهيمنة تشرف على ملكوت السموات والأرض ولا يعزب عنها من مثقال ذرة.

وهنا ينتقل هذا الإنسان إلى هذه النقطة الجديدة فتعقل النفس عظمة هذه الإرادة العليا والقدرة التي لا حد لها والتي انتظمت الكون بما فيه علويه وسفليه، جليله وحقيره، صغيره وكبيره:تدرك النفس طرفاً من عظمة الله تعالى وتعرف أنه لا مسيِّر غيره ولا متصرِّف في هذا الكون إلا الله، إنها تدرك حقيقة كلمة:«لا إله إلا الله»

فتعلم أن التصرُّف بيده تعالى وحده وليس لأحد من حول ولا قوة إلاَّ به، وليس من حركة إلاَّ بإمداده ومن بعد إذنه، فلا تهبُّ رياح، ولا تتراكم غيوم، ولا تهطل أمطار، ولا تشرق شمس، ولا تدور أرض، ولا يتعاقب ليل ونهار، ولا تدبُّ دابة ولا تنبت نبتة، ولا تنعقد ثمرة، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه ومن بعد إذنه.

ويتسع أفق التفكير لدى هذا الإنسان فيرى أنَّ اليد لا تتحرك حركة، وأنَّ الرجْل لا تنطلق خطوة والعين لا تطرف طرفة، والأذن لا تسمع همسة، واللسان لا ينطق ويلفظ كلمة إلاَّ بإذن الله وبحولٍ وقوةٍ منه.

يدرك هذا الإنسان ذلك كله عن طريق العقل لا لمجرد السماع والنقل، وهنالك تدخل النفس في حصن الاستقامة الحصين فتجد أنَّ الله تعالى معها ومشرفٌ عليها، بل هو الممد لها في كل لحظة وحين لا يحول ولا يزول، فحيثما حلَّ هذا الإنسان وارتحل، وأينما سار وانتقل، وكيفما نظر وأنَّى اتَّجه يرى الله تعالى معه وأنه شاهدٌ عليه، فهو سبحانه ناظرٌ رقيب وسامع قريب، وبه قيام وجود الكون بجميع ما فيه وهو أقرب إلى الإنسان من نفسه التي بين جنبيه.

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} سورة ق :الآية (16).

هذه هي المرحلة التي يُفضي إليها الإنسان، وهذه هي الحقيقة التي يعثر عليها من بعد تفكيره المتواصل، يعقلها عقلاً ويصبح إيمانه بكلمة ( لا إله إلا الله ) مبنياً على علم كما أمر سبحانه بذلك، إذ قال تعالى:

{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} سورة محمد :الآية (19).

وهذا النوع من الإيمان هو المطلوب من كل إنسان وذلك هو الإيمان الحق الذي يحجز الإنسان عن المعاصي والموبقات وفي الحديث الشريف:

«كفى بالمرءِ علماً أن يخشى الله» الجامع الصغير /6240/ للبيهقي في شعب الإيمان.

{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} سورة فاطر :الآية (28).

وإلى ذلك أشار صلى الله عليه وسلم  بقوله الشريف:«من قال لا إله إلاَّ الله مخلصاً دخل الجنة، قيل:وما إخلاصها؟. قال:أن تَحجُزَهُ عن محارِمِ الله» رواه الطبراني في الأوسط الكبير.

 

3ـ كيف يصل الإيمان الحقيقي بصاحبه إلى محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم

أما وقد أصبح هذا الإنسان في حال يشهد معه أنَّ الله تعالى ناظرٌ رقيب ومشرفٌ قريب، لذلك تراه يستقيم على أمر الله فلا يخالف أوامر ربّه في شيء. فالعين لا تنطلق واللسان لا ينطق، واليد لا تتحرك والرجْل لا تخطو إلاَّ ضمن ما أمر به الله، ووفق ما بيَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله الشريف:

«لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» قال الإمام النووي :حديث حسن صحيح.

وهنا وبمثل هذا السير الطيب والعمل الصالح تتولَّد في تلك النفس المؤمنة الثقة برضاء الله تعالى عنها وتتجه إليه وتحصل لها وعلى حسب إقبالها الصلة النفسية بخالقها، وبهذه الصلة تنمحي من النفس شوائبها وكدوراتها وتطهر من أدرانها، وبهذه الصلة أيضاً تشتق النفس منه تعالى كمالاً وخُلُقاً سامياً وصفةً عالية وبهذا تدخل في عداد من تحلَّت نفوسهم بالكمال وتغدو ذات قابلية وأهلية لتقدير رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد أهل الكمال، وهنالك تصلِّي الصلوات الخمس كما أمر الله بها وتحصل على الفائدة المرجوة منها التي شُرعت من أجلها وإلى ذلك أشار صلى الله عليه وسلم حيث يقول:

«أرأيتم لو أنَّ نهراً بباب أحدكم يغتسل في كلِّ يوم خمس مرات، ما تقولون؟. ذلك يُبقي من درنه؟. قالوا:لا يبقى من درنه شيئاً. قال:فذلك مَثَلُ الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا» أخرجه البخاري ومسلم.

 

4ـ أثر محبته صلى الله عليه وسلم في رقـي النفـس المؤمنـة

وتتقدم النفس بصلاتها يوماً إثر يوم وترقى حيناً بعد حين في منازل الكمال حتى تصبح أهلاً لأن تتعشق وتشتبك بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فاقها وفاق العالمين طُرّاً في الكمال.

وهنالك وبمثل هذه الحال تدخل بمعيته صلى الله عليه وسلم على الله فتشهد من الكمال الإلهي وترى من الأسماء الحسنى ما يجعلها تهيم بالله حبّاً بنسبة ما شهدت ورأت.

وبهذا الحب السامي لحضرة الله تصل النفس إلى التقوى، إذ تكتسب من الله تعالى نوراً ترى به الخير خيراً والشر شراً، قال تعالى:

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} سورة الحديد :الآية (28).

وبهذا الحب السامي تشتق النفس أيضاً من الحضرة الإلهية والذات العلية حظاً كبيراً من الكمال وتصطبغ به اصطباغاً يجعلها من أسمى الناس مرتبةً وأعلاهم منزلةً.

وإنه لولا حبّها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما استطاعت أن تدخل بمعيته ذلك المدخل العالي ولما سمت هذا السمو الرفيع، وهذا هو تفصيل ما كنا أشرنا إليه عند كلامنا عن أثر محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفوس أصحابه الكرام.

والآن إذا دخل الإنسان هذا المدخل العالي بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونال من الله تعالى ذلك الحظ الوافر من الكمال فلا تظنَّن أنه يقف عند هذا الحد لا يخطوه ولا يتعداه، بل إنه أضحى في حالٍ من الرقي لا يعرف له حد ولا انتهاء، فكلما دخل بمعية الرسول على الله تعالى اكتسب من الله كمالاً وكلما ازداد كمالاً زاد لرسول الله حبّاً وبه ارتباطاً، وهكذا فمن حالٍ إلى حال أعلى ومن مقام إلى مقامٍ أسمى.

وبناءً على هذا فمحبته صلى الله عليه وسلم سبب الارتقاء والعروج في منازل الكمال، وبسببها يحصل مُحِبُّهُ صلى الله عليه وسلم على التقوى فيستنير قلبه بنور الله، وإنه لا حياة للقلب إلاَّ بحبِّ الله وحبِّ رسوله ولا عيش إلاَّ عيش المحبين له صلى الله عليه وسلم، أولئك الذين سمت أنفسهم وتسامت في حبِّها لهذا السيد العظيم والرسول الكريم فآثرت محبة الله تعالى ومحبة رسوله على كل محبوب.

فإذا شئت السعادة سعادة الدنيا والآخرة، وإن شئت الحياة الطيبة فاصدق جادّاً وادأب ساعياً في طريق الإيمان الحقيقي بادئاً بالإيمان بربِّك منتقلاً إلى التفكير في الموت الذي يولِّد في نفسك الصدق في معرفة الله مرتقياً بذلك إلى الإيمان بكلمة ( لا إله إلا الله ) ذلك الإيمان الذي يحجزك عن المعاصي ويحملك على الاستقامة على أمر الله، وهنالك تتولَّد الثقة في نفسك برضاء الله عنك فتُقبل عليه تعالى إقبالاً صادقاً يصبغ نفسك بالكمال صبغةً تؤهِّلك لحبِّ رسول الله سيد أهل الكمال وذلك هو الحب الذي به قرة العيون وريحان النفوس وبه يكون الدخول في حضرة الله والاستنارة بنور الله والسير على هدىً وبصيرة في هذه الحياة، ومن لم يظفر بذلك الحبّ السامي حبّ الله تعالى وحبّ رسوله الكريم فدنياه شقاء ونغص وآلام وحياته مشحونة بالهموم والغموم والحسرات.

أما وقد فصَّلت لك في هذا المجال بعض التفصيل أعتقد أنك أصبحت ممن يدرك معي لِمَ حثَّ الله تعالى المؤمنين كافةً على محبة رسوله الكريم والصلاة عليه، كما أصبحت ممَّن يدرك سبب سمو الصحابة ذلك السمو العالي.

والآن قد تبيَّن لك أثر محبته صلى الله عليه وسلم في رقي الأنفس المؤمنة وكيف أنَّ الإيمان يرقى بالرجال إلى أسمى المنازل وأعلى المراتب سواءٌ ممَّن كانوا عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبوه أو ممَّن جاؤوا بعده صلى الله عليه وسلم ولو بعد عصره بعشرات القرون، فلْتجدَّ في الطلب ولْتصدق في السعي لتكون في عداد أولئك المؤمنين بالله الصادقين في محبته ومحبة رسول الله، إذ ليس يفصل بينه صلى الله عليه وسلم وبين المؤمنين المحبين له زمانٌ ولا مكان، قال تعالى:

{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّنَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} سورة الجمعة :الآية (2-4).

 

والحمد لله الذي حبَّبنا بحبيبه الذي بعثه رحمة لنا، فأبشر يا من أحببته برحمته وأنت مع من أحببت، إذ يُحشر المرء مع من أحب

مما كتبه الشيخ أمين شيخو

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *